تبدأ المهمة الحقيقية في عيد الأضحى بعد أن تنتهي الذبيحة . حين تجد المرأة المغربية نفسها أمام الذبيحة كاملةً، تتوزع الأجزاء بين يديها كأحجية لا تحتمل الخطأ فاللحم الخطأ في الطبق الخطأ يعني ساعات على النار لن تجدي، ومذاقاً لن تعوّضه التوابل مهما أُحكم انتقاؤها. طريقة التوزيع لا تقل أهمية عن جودة اللحم نفسه، وهي ثقافة مطبخ كاملة توارثتها الأسر المغربية جيلاً بعد جيل وإن كان قد آنَ أوانُ تدوينها.
الضلوع والرقبة : للنار البطيئة فقط
أكثر الأخطاء شيوعاً في مطابخ العيد هو تحويل الرقبة والضلوع إلى كفتة أو شواء سريع. هذان الجزءان من أغنى أجزاء الذبيحة بالكولاجين والنسيج الضام، وهو ما يجعلهما يتحولان بعد ساعتين على الأقل من الطهي الهادئ إلى ذلك اللحم الذي يتفكك بلمسة الملعقة ويمنح المرق قواماً لا توفره أي قطعة أخرى. الضلوع في طاجين البرقوق والخضر، والرقبة في شوربة عميقة أو مرقة مدخّنة، وليس في مكانٍ آخر.
الكتف والفخذ : قلب الوجبات الكبيرة
إن كان ثمة جزء يستحق لقب “لحم العيد” بامتياز، فهو الكتف والفخذ. الكتف أطرى وأسرع نضجاً، يناسب الطاجين اليومي والمرقة التقليدية. أما الفخذ فهو لحم الضيافة يشوى كاملاً على الجمر، أو يطهى ببطء في تلك المناسبات العائلية التي تستحق. كلاهما يمتاز بتوازن جيد بين اللحم والدهن، ما يسمح له بالحفاظ على الطراوة حتى بعد ساعات من الطهي دون أن يجف أو يفقد شيئاً من مذاقه.
اللحم الأحمر الصافي : للكفتة وما يشبهها
اللحم الصافي الخالي من العظم والأوتار وغالباً ما يؤخذ من الظهر والجزء الخلفي هو المرشح الطبيعي للفرم. الكفتة الحقيقية تحتاج لحماً بنسبة دهن معتدلة لا مفرطة ولا شحيحة، ما يمنحها تماسكها ونكهتها دون أن تصبح جافة أو ثقيلة. وما زاد عن حاجة الكفتة يصلح لبريوات اللحم ومحاجب العيد والبستيلة تلك الأطباق التي تحوّل ما تبقى من اللحم إلى ضيافة مستقلة بذاتها.
الكبدة والأحشاء : يوم واحد لا غير
هذا الجزء لا يحتمل التأجيل ولا التجميد ولا حسن النية. الكبدة والقلب والطحال والرئة تطهى يوم الذبح أو لا تطهى هكذا علّمتنا الجدات، وهذا ما تؤكده طبيعة هذه الأنسجة التي لا تصبر. يوم العيد الأول هو يومها الوحيد: مشوية على الجمر مع الكمون والملح والخبز الطازج، في ذلك الطقس العائلي الذي لا يتكرر إلا مرة في السنة.
الرأس والكوارع : صبر يستحق
يحتاج هذان الجزءان إلى تنظيف جيد وماء مغلي ووقت لا يستعجل ثم يكافئانكِ بأعمق شوربة تذوقتِها طوال العام. الرأس يعطي المرق جيلاتيناً طبيعياً يجعل الإناء يتصلب بعد البرودة، وهو ما يميّز شوربة العيد عن كل ما سواها. أما الكوارع فنكهتها القوية ومذاقها التقليدي تجعلها ملكة الشوربات الثقيلة، لمن عنده من الوقت ما يكفي.
ماذا يذهب للمخزن؟
لضمان حفظ اللحم بطريقة سليمة، يبدأ التقسيم من اللحظة الأولى:
- يجمَّد نيئاً: الفخذ والكتف والضلوع بعد تقطيعها وهي تحتفظ بجودتها أسابيع.
- يجمَّد مطبوخاً: الطاجين المكتمل والمرق الجاهز، إذ يحتفظان بمذاقهما بعد التسخين دون أن يخسرا شيئاً.
- لا يجمَّد أبداً: الكبدة والأحشاء. والكوارع المطهية تستهلك في يوم أو يومين على أبعد تقدير.
حين تستعمل كل قطعة في مكانها الصحيح، تتحول الذبيحة الواحدة إلى مائدة تكفي الأسرة لأسابيع ويحافظ كل طبق على مذاقه الحقيقي دون مجهود إضافي أو هدر لا مبرر له. هذا هو السر الذي لا يكتب عادةً، لأنه ببساطة يعاش.