تبرز هبة بادو كواحدة من الأصوات الفنية الشابة التي اختارت أن تشتغل على منطقة نادرة في التعبير: اللامرئي. ليست مجرد فنانة تشكيلية، بل صانعة لغة بصرية تحوّل الإشارات والموجات إلى سرد فني يلامس أسئلة الهوية والذاكرة.

ولدت هبة بادو سنة 1997 في الرباط، ودرست السينما في باريس قبل أن تتجه نحو الفن المعاصر متعدد الوسائط. هذا المسار منحها مقاربة تجمع بين الحسّ السردي السينمائي والتجريب البصري، حيث تتقاطع الصورة مع الفكرة، والتقنية مع التأمل.
من “البارابول” إلى اللغة البصرية
ينطلق مشروعها الفني من عنصر مألوف في الحياة اليومية المغربية: أطباق استقبال البث التلفزي. هذه الهوائيات التي تعلو أسطح المنازل تحوّلت في أعمالها من مجرد أدوات تقنية إلى رموز ثقافية، تعكس علاقة المجتمع بالصور القادمة من الخارج.
في مشروعها “Paraboles: une odyssée hertzienne”، تشتغل الفنانة على الإشارات الهرتزية أي الموجات التي تنقل الصوت والصورة وتحوّلها إلى نظام بصري قائم على مجموعة من الرموز المستوحاة من الترددات. هذه الرموز تشكّل ما يشبه “أبجدية فنية”، تستخدم لبناء حكايات مفتوحة على التأويل.

الصورة كقوة لتشكيل الخيال
لا تتوقف تجربة هبة بادو عند الجانب الجمالي، بل تطرح من خلالها تساؤلات حول تأثير الصورة في تشكيل الرغبات والخيال الجماعي. فالأجيال التي نشأت في ظل الانفتاح الإعلامي لم تكتفِ بمشاهدة العالم، بل أعادت تخيّله من خلال ما يصلها من صور وإشارات.
من هذا المنطلق، تتحول أعمالها إلى مساحة للتفكير في العلاقة بين الداخل والخارج، بين الواقع المحلي والتمثلات القادمة من أماكن أخرى، دون إصدار أحكام جاهزة، بل عبر فتح باب التأويل أمام المتلقي.

تجربة فنية متعددة الوسائط
قدّمت هبة بادو هذا المشروع ضمن معارض فنية، من بينها عرض في MACAAL. حيث اعتمدت على وسائط متعددة تشمل الفيديو، التصوير الفوتوغرافي، والتركيب الفني.
تمنح هذه الأعمال تجربة غامرة للزائر، لا تكتفي بالمشاهدة، بل تدعوه إلى التفاعل مع الإشارات ومحاولة “قراءتها”. وكأنه أمام نص بصري يحتاج إلى تفكيك.
نحو لغة فنية جديدة
تندرج تجربة هبة بادو ضمن جيل فني مغربي جديد يسعى إلى إعادة تعريف أدوات التعبير. عبر الانفتاح على التكنولوجيا دون الانفصال عن السياق الثقافي المحلي. فهي تستلهم من الواقع المغربي، ومن الذاكرة الجماعية، لتطرح أسئلة ذات بعد كوني حول الصورة والتواصل والخيال.
في عالمها، لا تمرّ الإشارات مرور الكرام، بل تتحول إلى مادة للسرد، وإلى وسيلة لفهم الذات والعالم. هكذا، تنجح هبة بادو في تحويل ما هو غير مرئي إلى حكايات ترى.. وتفكَّر.