في زمن كانت فيه الأغنية المغربية تبحث عن صوت يعبّر عنها بصدق ويمنحها مكانتها بين كبار الطرب العربي، ظهر عبد الوهاب الدكالي كواحد من أبرز الفنانين الذين أعادوا تشكيل الهوية الموسيقية المغربية، بصوت دافئ وأسلوب متفرّد جمع بين الأصالة والتجديد، ليصبح مع مرور السنوات أحد أعمدة الفن المغربي الكلاسيكي.
ولد الدكالي يوم 2 يناير 1941 بمدينة فاس، المدينة التي تنفست الفن والثقافة والتقاليد العريقة، وهناك بدأت ملامح موهبته الفنية تظهر منذ طفولته، حيث اهتم بالموسيقى والرسم والمسرح، قبل أن ينخرط سنة 1958 في تجربة تكوينية مع “فرقة المعمورة”، التي شكلت أول احتكاك حقيقي له بعالم الفن الاحترافي.
انتقل بعد ذلك إلى الدار البيضاء، وهناك التقى بالأديب والفنان الطيب العلج، الذي لعب دورا محوريا في دعمه وتوجيهه نحو عالم الغناء.
لم يتأخر النجاح كثيرا، فبعد تسجيله أغنية “مول الخال” سنة 1959، انفجرت شهرته بأغنية “يا الغادي في الطوموبيل”، التي تحولت إلى واحدة من أشهر الأغاني المغربية وحققت انتشارا واسعا داخل المغرب وخارجه.
لم يكن عبد الوهاب الدكالي فنانا عاديا، بل كان صاحب مشروع فني متكامل، راهن منذ بداياته على الكلمة الراقية واللحن المتقن، في وقت كانت فيه الأغنية المغربية تعرف تحولات كبيرة.
ورغم الانتقادات التي طالته في بداياته بسبب شخصيته القوية واختلافه عن السائد، فإنه استطاع أن يفرض اسمه بموهبته وإصراره، ليصبح لاحقا من أكثر الفنانين تأثيرا في تاريخ الأغنية المغربية.
شكلت سنة 1962 محطة مفصلية في حياته، حين شد الرحال إلى القاهرة، العاصمة الفنية للعالم العربي آنذاك. هناك، عاش سبع سنوات وسط كبار الفنانين والموسيقيين، وتأثر بالمناخ الثقافي والفني المصري، ما أضفى على أعماله بعدا عربيا واضحا، دون أن يفقد هويته المغربية الأصيلة.
عاد الدكالي إلى المغرب بفن أكثر نضجا، حاملا معه أعمالا خالدة من قبيل “ما أنا إلا بشر”، “مرسول الحب”، “أنا والغربة”، “العاشقين” و”كان يا ما كان”، وهي أغنيات لم تكن مجرد نجاحات عابرة، بل تحولت إلى جزء من الذاكرة الجماعية للمغاربة.
تميّز الراحل بقدرته على الجمع بين الزجل المغربي واللغة العربية الفصحى، كما عرف بحس موسيقي راقٍ جعله من أبرز المجددين في الأغنية المغربية الحديثة. ولم يقتصر حضوره على الغناء فقط، بل خاض أيضا تجارب في السينما والمسرح، مؤكدا تعدد مواهبه الفنية.
وعلى امتداد مسيرته الطويلة، توج عبد الوهاب الدكالي بعدد من الجوائز والتكريمات الوطنية والدولية، من بينها وسام المكافأة الوطنية الذي منحه له الملك محمد السادس سنة 2013، إلى جانب أوسمة فرنسية وتكريمات عربية ودولية كرسته كأحد رموز الفن المغربي والعربي.
برحيل عبد الوهاب الدكالي، يفقد المغرب قامة فنية استثنائية، لكن إرثه سيبقى حيا في ذاكرة الأجيال، شاهدا على مسيرة رجل وهب حياته للفن، فاستحق أن يلقب بعميد الأغنية المغربية.