لم يعد الحديث عن تغير المناخ يقتصر على موجات الحر وحرائق الغابات وارتفاع مستوى البحار، بل بدأ يمتد إلى سؤال أكثر قربًا من حياتنا اليومية: هل يمكن أن يغيّر الهواء الذي نتنفسه طريقة عمل أجسامنا؟ هذا ما حاولت الإجابة عنه دراسة علمية حديثة، رصدت تغيرات تدريجية في كيمياء الدم تزامنت مع الارتفاع المستمر في مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
وأجرى الدراسة باحثون من معهد أبحاث الطفولة، وجامعة كورتين، والجامعة الوطنية الأسترالية، ونُشرت نتائجها في مجلة Air Quality, Atmosphere & Health المتخصصة في أبحاث الصحة والبيئة.
مستويات ثاني أكسيد الكربون ترتفع بوتيرة غير مسبوقة
تشير البيانات العلمية إلى أن تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي ظل لآلاف السنين أقل من 300 جزء في المليون، قبل أن يبدأ بالارتفاع مع الثورة الصناعية نتيجة الاعتماد المتزايد على الفحم والنفط والغاز.
وخلال العقود الأخيرة تسارع هذا الارتفاع بشكل لافت، إذ انتقل من نحو 340 جزءًا في المليون خلال ثمانينيات القرن الماضي إلى أكثر من 420 جزءًا في المليون في السنوات الأخيرة، وهو ما دفع العلماء إلى التساؤل حول تأثير هذا التغير المستمر على جسم الإنسان، وليس على البيئة وحدها.
تحليل آلاف العينات على مدى عشرين عامًا
اعتمد الباحثون على بيانات دراسة صحية أمريكية واسعة النطاق، تضمنت نتائج تحاليل دم لنحو سبعة آلاف شخص كل عامين بين عامي 1999 و2020.
وعند مقارنة النتائج عبر السنوات، لاحظ الفريق البحثي ارتفاعًا تدريجيًا في مستوى البيكربونات داخل الدم بنسبة تقارب 7%، إلى جانب انخفاض طفيف في معدلات الكالسيوم والفوسفور.
وتُعد البيكربونات عنصرًا أساسيًا يساعد الجسم على الحفاظ على توازن درجة حموضة الدم، لذلك يرى الباحثون أن هذه التغيرات قد تعكس محاولة الجسم التكيف مع التغيرات البيئية المحيطة.
هل تغير المناخ غيّر بالفعل دم الإنسان؟
رغم أن النتائج أثارت اهتمام الأوساط العلمية، فإن الباحثين شددوا على نقطة مهمة، وهي أن الدراسة لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين ارتفاع ثاني أكسيد الكربون وهذه التغيرات البيولوجية، وإنما ترصد وجود ارتباط يستحق مزيدًا من البحث.
فقد تؤثر عوامل عديدة في كيمياء الدم، مثل النظام الغذائي، والحالة الصحية، والعمر، ونمط الحياة، وهو ما يجعل من الصعب اعتبار ثاني أكسيد الكربون العامل الوحيد المسؤول عن هذه النتائج.
الأطفال قد يكونون الأكثر تأثرًا
ويرى الباحثون أن الأطفال والمراهقين قد يكونون الفئة الأكثر عرضة للتأثيرات المحتملة، لأنهم سيقضون سنوات أطول في بيئة ترتفع فيها مستويات ثاني أكسيد الكربون، ما قد يزيد من التأثيرات التراكمية إذا أكدت الدراسات المستقبلية هذه الفرضية.
دعوة لمراقبة صحة الإنسان إلى جانب المناخ
وأكد رئيس فريق البحث، ألكسندر لاركومب، أن الهدف من الدراسة ليس إثارة القلق، بل لفت الانتباه إلى ضرورة متابعة المؤشرات الصحية بالتوازي مع مؤشرات تغير المناخ.
وأوضح أن النتائج لا تعني أن البشر سيصابون فجأة بأمراض بسبب ارتفاع ثاني أكسيد الكربون، لكنها تشير إلى احتمال حدوث تغيرات تدريجية على مستوى السكان، وهو ما يستوجب إدراج المؤشرات الصحية ضمن استراتيجيات مواجهة تغير المناخ خلال العقود المقبلة.
وبينما يواصل العلماء دراسة العلاقة بين البيئة وصحة الإنسان، تؤكد هذه النتائج أن آثار تغير المناخ قد تكون أوسع مما كان يُعتقد سابقًا، وأن حماية البيئة لم تعد قضية تخص الطبيعة وحدها، بل أصبحت ترتبط أيضًا بالحفاظ على صحة الأجيال الحالية والمستقبلية.