يستعد المخرج المغربي مصطفى فرماتي لطرح أول فيلم روائي طويل في مساره الفني بعنوان “بعد 30 عاماً”، وهو عمل يستلهم جانباً كبيراً من سيرته الذاتية ويأخذ المشاهد في رحلة إنسانية إلى عوالم الطفولة والذاكرة والحنين إلى الجذور.
ويأتي هذا الفيلم بعد تجربة طويلة لفرماتي في مجال الأفلام القصيرة، التي شاركت في عدد من المهرجانات الوطنية والدولية وتوجت بجوائز متعددة. ويؤكد المخرج أن مشروعه الجديد يمثل خطوة طبيعية في مساره الإبداعي، بعدما شعر بأنه بلغ مرحلة من النضج الفني تخوله خوض مغامرة الفيلم الروائي الطويل.

وتتمحور القصة حول شخصية مصطفى، رجل في منتصف العمر يعود إلى مسقط رأسه في البادية المغربية بعد ثلاثة عقود من الغياب، ليجد منزل العائلة الذي نشأ فيه قد تحول إلى أطلال. وبين جدران المكان الذي احتضن طفولته، يبحث عن صندوق دفنه عندما كان في الثانية عشرة من عمره قبل انتقال أسرته إلى المدينة.
وعندما يعثر على الصندوق، يكتشف داخله دفتر رسوماته القديم، فتتحول تلك اللحظة إلى بوابة زمنية تعيده إلى منتصف تسعينيات القرن الماضي، حيث يسترجع مغامراته الأولى وصداقاته ودهشته الطفولية وعلاقته بالطبيعة والحياة الريفية بكل تفاصيلها البسيطة.
ويصف فرماتي الفيلم بأنه “قصيدة شعرية مكتوبة بالصور”، تحتفي بالطفولة باعتبارها المرحلة الأكثر صفاء ونقاء في حياة الإنسان، مؤكداً أن العمل يستند في جزء كبير منه إلى أحداث وتجارب عاشها شخصياً، مع فسح المجال للخيال السينمائي من أجل بناء حبكة درامية متكاملة.

ويراهن المخرج على ما يسميه “سينما المشاعر”، موضحاً أن هدفه لم يكن فقط تقديم حكاية أو استعراض صور جميلة، بل خلق تجربة وجدانية تمس المتفرج وتوقظ داخله مشاعر الفرح والحنين والحزن والتأمل. ويرى أن السينما الحقيقية هي تلك القادرة على ملامسة الإنسان أينما كان، بغض النظر عن لغته أو ثقافته أو انتمائه.
وعلى المستوى البصري، يستفيد الفيلم من الخلفية التشكيلية للمخرج، الذي عمل على بناء عالمه السينمائي بعناية كبيرة من خلال اختيار اللقطات وزوايا التصوير وحركة الكاميرا بما يخدم الحالة النفسية للشخصيات والمسار الدرامي للأحداث. وقد جرى تصوير عدد من المشاهد وسط الحقول الذهبية وفي أوقات ضوئية خاصة، مثل ساعات الصباح الأولى وما قبل الغروب، بهدف منح الفيلم طابعاً بصرياً شاعرياً ينسجم مع روحه التأملية.
ولا يقتصر العمل على استحضار ذكريات الطفولة فحسب، بل يتناول أيضاً موضوعات ذات أبعاد روحية وفلسفية، من بينها علاقة الإنسان بالمكان والذاكرة والطبيعة. كما يسلط الضوء على حضور الأضرحة في المخيال الشعبي المغربي، من خلال مقاربة تميز بين الروحانية المرتبطة بالتأمل في الكون واكتشاف الذات والخالق، وبين الممارسات المرتبطة بالشعوذة والخرافة.

وفي ما يخص طاقم التمثيل، اختار مصطفى فرماتي أن يؤدي بنفسه دور الشخصية الرئيسية في مرحلة الكهولة، نظراً للارتباط الشخصي والعاطفي العميق الذي يجمعه بالأماكن والأحداث التي يستحضرها الفيلم. أما أدوار الطفولة، فقد أسندت إلى مجموعة من الأطفال الذين خضعوا لورشات تدريبية مكثفة قبل انطلاق التصوير. كما يشارك في العمل كل من الفنانة ليلى فاضلي في دور الأم، والفنان البشير واكين في دور الأب.
وكشف المخرج أن الفيلم أنجز بإنتاج ذاتي، بشراكة مع المنتج بوشتة ابراهيمي، مؤكداً أن محدودية الميزانية شكلت التحدي الأكبر خلال مراحل العمل. غير أن الحماس والتفاني وروح الفريق ساهمت في تجاوز مختلف الصعوبات وإنجاز التصوير في ظروف جيدة رغم موجة الحرارة التي صادفت جزءاً من فترة التصوير.
ووجه فرماتي رسالة خاصة إلى الجمهور، شدد فيها على أن “بعد 30 عاماً” هو ثمرة حلم آمن به طويلاً وقرر تحقيقه بإمكاناته الخاصة. وقال إن بعض الأحلام لا ينبغي أن تنتظر الفرص أو الهدايا القادمة من الخارج، بل تحتاج إلى أصحابها كي يحولوها إلى واقع بالإرادة والعمل. وأضاف أن الفيلم أنجز بحب كبير وتضحيات كثيرة، معبراً عن ثقته في أنه سيكون في مستوى انتظارات الجمهور ولن يخيب آمالهم.
ويحمل عنوان الفيلم دلالة زمنية مباشرة، إذ يشير إلى المسافة الفاصلة بين طفولة البطل وعودته إلى قريته بعد ثلاثين عاماً، وهي العودة التي تفتح الباب أمام رحلة في الذاكرة، وتدفعه إلى مواجهة الماضي واستعادة جزء من ذاته ظل معلقاً بين دفاتر الطفولة وأطلال المكان.
وبعد انتهاء التصوير، يستعد الفيلم لدخول مرحلة المونتاج وما بعد الإنتاج، قبل أن يبدأ رحلته نحو الجمهور، حاملاً معه حكاية شخصية تنبض بالحنين، وتحتفي بالطفولة كأحد أجمل الفصول في حياة الإنسان.