من قلب المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، حيث تتقاطع التجارب وتُعرض أفضل المنتجات الفلاحية من داخل المغرب وخارجه، برزت قصة امرأة مغربية صنعت اسمها بإصرار، ونسجت نجاحها بخيوط الصبر والعمل. إنها خديجة لهاني، رئيسة تعاونية “النحلة الحمراء” ورئيسة اتحاد أبي فلوغ لتربية النحل بمدينة بن سليمان، التي تحولت إلى نموذج ملهم للمرأة القروية الطموحة.
حضرت خديجة رفقة فريقها إلى هذا الحدث الدولي ليس فقط لعرض منتجات العسل ومشتقات الخلية، سواء الغذائية أو التجميلية، بل أيضًا بهدف أكبر: التعريف بجودة منتوجها المحلي، وفتح آفاق جديدة عبر عقد شراكات واتفاقيات من شأنها تطوير نشاط التعاونية. فالمعرض، كما تؤكد، ليس مجرد فضاء للبيع، بل منصة استراتيجية تتيح للتعاونيات الارتقاء بمشاريعها إلى مستوى احترافي.
وراء هذا الحضور القوي، تقف رحلة طويلة من التحديات. خديجة التي لم تكن تملك في بداياتها سوى شغفها، واجهت نظرة مجتمعية قاسية كانت تحاول حصرها في أدوار تقليدية. لكنها اختارت طريقًا مختلفًا، وقررت أن تخوض غمار تربية النحل، رغم كل الصعوبات. تقول بثقة إن النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة 19 سنة من العمل المتواصل، “حفرت خلالها على الصخر” حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم.
لم تبدأ خديجة مشروعها برأسمال كبير، بل انطلقت من الصفر، متنقلة بين أنشطة بسيطة لتأمين دخل أولي: باعت البيض والدجاج والخبز، وكانت توصل السلع بنفسها من باب إلى باب. تلك البدايات الصعبة كانت حجر الأساس الذي بنت عليه مشروعها الحالي، الذي أصبح اليوم مصدر رزق لها ولأسرتها، بل ولفيف من النساء اللواتي يشتغلن معها.
نجاح خديجة لم يتوقف عند حدود الإنتاج، بل امتد إلى التكوين والتأطير. فقد أصبحت اليوم مدربة تشرف على دورات تكوينية، كما تدير منصة رقمية يتابعها مهتمون من مختلف دول العالم، من كندا إلى ألمانيا. وتؤكد أن “لغة النحل” التي تتقنها باتت جواز سفرها إلى العالم، رغم عدم إتقانها للغات الأجنبية.
وعلى المستوى الدولي، شاركت في تظاهرات وورشات علمية، وزارت عدة دول من بينها تونس والإمارات والسعودية وسلطنة عمان وتركيا وألمانيا، بل وقدمت خبرتها داخل مؤسسات أكاديمية مثل جامعة الملك خالد، في تجربة تعكس الاعتراف الدولي بكفاءتها.
لكن الأهم في قصة خديجة، ليس فقط نجاحها الشخصي، بل الأثر الذي تركته في محيطها. فقد استطاعت أن تمنح نساء التعاونية استقلالية مالية، وأن تكسب ثقة أسرهن، بعد أن كان العمل خارج البيت مرفوضًا لدى البعض. اليوم، تغيرت النظرة، وأصبحت النساء يسافرن ويشتغلن بكل فخر ضمن هذا المشروع الجماعي.
وتوجه خديجة رسالة واضحة لكل امرأة مغربية: لا تنتظري الفرصة، بل اصنعيها بنفسك. وتدعو الشباب إلى الابتعاد عن الحلول السهلة، والعمل الجاد من أجل تحقيق الذات والمساهمة في تنمية الوطن.
قصة خديجة لهاني ليست مجرد حكاية نجاح، بل درس حيّ في الإصرار، يؤكد أن الشغف حين يقترن بالعمل، يمكن أن يحوّل أبسط البدايات إلى إنجازات تُلهم أجيالًا كاملة.