من جماعة سيدي إسماعيل بإقليم الجديدة، تخرج عائشة بحبوحي بصوتٍ مفعم بالشغف والتجربة، لتسرد مسارها كامرأة اقتحمت مجال تربية الماشية وإنتاج اللحوم الحمراء، وهو المجال الذي ظلّ لسنوات طويلة حكراً على الرجال. تقول عائشة، العضوة في الجمعية الوطنية لمنتجي اللحوم الحمراء، إن رحلتها في هذا القطاع لم تكن صدفة، بل نتيجة احتكاك يومي ببيئة قروية جعلت الفلاحة وتربية المواشي خياراً واقعياً وحياةً كاملة.
تشتغل عائشة رفقة الجمعية على تسمين العجول وإنتاج اللحوم، معتمدةً على سلالات معروفة بجودتها مثل “البيمونتيز” و“البلجيكي”، وهما من السلالات اللحمية التي تتطلب عناية دقيقة منذ المراحل الأولى. تبدأ العملية بالتلقيح الاصطناعي، الذي تتيحه الجمعية وفق اختيارات دقيقة للسلالات، ثم تمرّ العجول بمراحل نمو داخل الضيعة، حيث يتم فطامها في عمر أربعة أشهر، لتتحول العناية بها من إنتاج الحليب إلى التركيز على التسمين.
تعتمد عائشة في تغذية عجولها على أعلاف متنوعة تشمل الشمندر، والنخالة، وقشور الفول، وهي تركيبة غذائية تهدف إلى تحقيق نمو متوازن وجودة عالية في اللحم. وبعد فترة تتراوح بين عام ونصف إلى عامين، تصل العجول إلى مرحلة النضج، وهي النتيجة التي تُعرض في المعارض الفلاحية، حيث يتم اختيار أفضل النماذج وفق معايير دقيقة.
وتوضح عائشة أن المشاركة في المعارض ليست بالأمر السهل، إذ تخضع العجول لعملية انتقاء صارمة تشرف عليها الجمعية بشراكة مع الجهات المختصة، حيث يتم تقييم الجودة والمواصفات الصحية قبل السماح بعرضها. وتضيف أن هذه المعارض تمثل فرصة للتعريف بالمجهودات المبذولة في هذا القطاع، رغم أن العجول المعروضة لا تكون بالضرورة موجهة للبيع.
ورغم التحديات، خاصة تلك المرتبطة بغلاء الأعلاف وتأثير سنوات الجفاف، تؤكد عائشة أن الموسم الحالي يحمل بعض الانفراج، وإن ظلّت التكاليف مرتفعة. ومع ذلك، تواصل العمل بإصرار، معتبرة أن هذا المجال يتطلب صبراً واستمرارية أكثر من أي شيء آخر.
ولا تخفي عائشة فخرها بكونها “كسّابة”، وهو اللقب الذي باتت تحمله باعتزاز، رغم غرابته في نظر البعض حين يُنسب لامرأة. تقول إن العلاقة التي تربطها بالمواشي ليست مجرد عمل، بل هي علاقة إنسانية عميقة، أشبه بعلاقة الأم بابنها، حيث تعرف احتياجات كل رأس ماشية وتواكب تفاصيل يومه.
وتستحضر عائشة بداياتها، حين كانت تتابع دراستها قبل أن تقودها ظروف الزواج إلى الاستقرار في البادية، حيث لم تجد أمامها سوى الفلاحة كخيار مهني. لكنها سرعان ما حوّلت هذا الواقع إلى قصة نجاح شخصية، استطاعت من خلالها التوفيق بين دورها كأم وزوجة، ومسؤولياتها في تربية الماشية.
تجربة عائشة بحبوحي ليست فقط نموذجاً للمرأة القروية المكافحة، بل أيضاً شهادة حيّة على التحولات التي يعرفها القطاع الفلاحي، حيث باتت المرأة تلعب دوراً أساسياً في الإنتاج والتنمية، متحدية الصور النمطية، وصانعةً لمسارها بثقة وإصرار.