تخلق كلمات بعض الأغاني من قلب التجربة الإنسانية، من لحظات ضعف وقوة، من حب لا يقال إلا حين يصبح الصمت أثقل من الكلام. أغاني تحولت من لحن وكلمات إلى أحاسيس عميقة وذكريات لا تنسى.
سنحكي هنا قصة “سألتك حبيبي” لفيروز التي ماتزال نغماتها وصدى كلماتها ودفء الصوت الذي أداها حاضرا دوما بالساحة الغنائية العربية. لم تكن مجرد أداء فني، بل كانت مرآة لحكاية حب حقيقية جمعتها بزوجها ورفيق دربها عاصي الرحباني.
في تلك الفترة، تعرض عاصي الرحباني لنزيف في الدماغ أدخله المستشفى، وترك فراغا كبيرا في حياة فيروز، ليس فقط كزوج، بل كشريك في الفن والحياة. ورغم التزاماتها الفنية، حيث كانت تواصل تقديم مسرحية “المحطة”، إلا أن قلبها كان عالقا في مكان آخر، بين جدران المستشفى، حيث يرقد من شاركها كل تفاصيل النجاح والحلم.
وسط هذا الألم، لم يقف الإبداع، بل وجد طريقه ليعبر عن تلك الحالة. كان منصور الرحباني الأقرب إلى التقاط تلك المشاعر، فكتب كلمات بدت وكأنها صوت فيروز الداخلي، حديثها الصامت إلى عاصي، شوقها وقلقها وخوفها من الفقد. كلمات خرجت دافئة ومكسورة في آن واحد، تحمل صدق اللحظة وقسوتها.
أما اللحن، فحمل توقيع مفاجئ ومؤثر لابنهما زياد الرحباني، الذي لم يكن قد تجاوز السابعة عشرة من عمره آنذاك. ورغم حداثة سنه، استطاع أن ينسج لحنا بسيطا وعميقا، يلامس القلب مباشرة، وكأنه كان يترجم بصوته الخاص ما تعجز الكلمات عن قوله.
وعندما بدأ عاصي يتماثل للشفاء، لم يكن متحمسا لفكرة إدراج الأغنية ضمن العمل المسرحي. ربما لأن الأغنية كشفت جانبا هشا من حياته، أو لأنها قربت المسافة بين الخاص والعام بشكل لم يكن يرغب به. لكن الإصرار كان أقوى، سواء من فيروز أو من المحيطين به، حتى وافق في النهاية، لتأخذ الأغنية مكانها وتصل إلى الجمهور، حاملة معها قصة لم يكن الجمهور يعرف تفاصيلها كاملة.
مرت السنوات، ورحل عاصي، تاركا خلفه إرثا فنيا كبيرا، وفراغا إنسانيا لا يعوض. وفي إحدى الحفلات بعد وفاته، عادت فيروز لتغني “سألتك حبيبي”، لكن هذه المرة لم تكن تغني فقط، بل كانت تستعيد كل تلك اللحظات. وعندما وصلت إلى عبارة “ولأول مرة ما بنكون سوا”، توقفت، خانها صوتها، وغلبتها دموعها، في مشهد صادق كشف أن بعض الأغاني لا تغنى فقط، بل تعاش من جديد كل مرة.
هكذا بقيت “سألتك حبيبي” أكثر من أغنية، صارت شهادة حب وألم، جمعت كلمات منصور، ولحن زياد، وصوت فيروز، لتخلد حكاية إنسانية تتجاوز الزمن، حكاية حب بقيت حية حتى بعد الغياب.