أثار فيلم «الأوديسة» (The Odyssey) للمخرج العالمي كريستوفر نولان ضجة واسعة قبل وصوله إلى دور السينما، بعدما وجد نفسه في قلب نقاش عالمي تجاوز حدود السينما، ليمتد إلى قضايا الهوية التاريخية، والاختيارات الفنية، ومدى حرية إعادة تقديم الأساطير القديمة على الشاشة.
ويعيد الفيلم تقديم واحدة من أشهر الملاحم الأدبية في التاريخ، وهي «الأوديسة» للشاعر اليوناني هوميروس، التي تحكي رحلة البطل الإغريقي أوديسيوس الطويلة للعودة إلى موطنه إيثاكا بعد حرب طروادة، وسط مواجهات مع الآلهة والمخلوقات الأسطورية والتحديات التي تختبر قوته وذكاءه.
لكن قبل عرضه، تحول العمل إلى موضوع جدل كبير بسبب مجموعة من التفاصيل التي رأى البعض أنها تبتعد عن الصورة التقليدية للملحمة.
هيلين طروادة تشعل أول موجة انتقادات
كان اختيار الممثلة الكينية-المكسيكية لوبيتا نيونغو لتجسيد شخصية هيلين طروادة أبرز أسباب الجدل حول الفيلم. فالشخصية تعد في الأسطورة اليونانية رمزاً للجمال، وهي المرأة التي ارتبط اسمها ببداية حرب طروادة بعد فرارها مع باريس، كما توصف في الموروث الإغريقي بأنها أميرة من سلالة يونانية.
وانتقد بعض المتابعين اختيار ممثلة من أصول إفريقية للدور، معتبرين أن ذلك لا ينسجم مع التصور التاريخي والأسطوري للشخصية، خصوصاً أن هيلين ارتبطت عبر القرون بصورة المرأة الإغريقية ذات الملامح المتوسطية. بينما دافع آخرون عن الاختيار، مؤكدين أن الفيلم يقدم معالجة فنية لأسطورة قديمة وليست إعادة بناء تاريخية حرفية، وأن الأساطير لطالما خضعت لإعادة تفسير عبر العصور.
من جهتها، ردت لوبيتا نيونغو على الانتقادات بالتأكيد على أن العمل ينتمي إلى عالم الأساطير، وأن رؤية نولان تقوم على تقديم قصة عالمية بطاقم يعكس تنوع العالم الحالي.

كلمة «Dad» تثير تساؤلات حول لغة الفيلم
ولم يتوقف الجدل عند اختيار الممثلين، إذ انتقل أيضاً إلى لغة الحوار المستخدمة في الفيلم. فقد أثارت بعض العبارات الحديثة التي ظهرت في المقاطع الترويجية انتباه الجمهور، وعلى رأسها استخدام كلمة «Dad» (أبي)، حيث رأى منتقدون أن هذا التعبير لا يتناسب مع الحقبة التي تدور فيها أحداث الملحمة، وأنه يمنح الشخصيات القديمة طابعاً معاصراً أكثر من اللازم.
واعتبر البعض أن استخدام مفردات يومية حديثة قد يضعف الإحساس التاريخي بالعمل، خصوصاً أن «الأوديسة» مرتبطة بحضارة قديمة ولغة شعرية مختلفة. في المقابل، يرى المدافعون عن الفيلم أن نقل النصوص القديمة إلى السينما يتطلب أحياناً تبسيط اللغة وتقريبها من الجمهور الحديث، وأن الترجمة الحرفية للغة القديمة قد تجعل الشخصيات بعيدة عن المشاهد .
جدل حول التفاصيل التاريخية
كما أثارت بعض التفاصيل المتعلقة بالأزياء، والأسلحة، وتصميم السفن تساؤلات بين المهتمين بالتاريخ، حيث رأى بعض النقاد أن بعض العناصر لا تعكس بدقة مرحلة العصر البرونزي التي يُفترض أن أحداث الملحمة تنتمي إليها. لكن فريقاً آخر اعتبر أن نولان لا يقدم فيلماً وثائقياً، بل رؤية سينمائية ضخمة تستلهم عالم هوميروس وتعيد بناءه وفق لغة الصورة الحديثة.
جولة ترويجية تحولت إلى عرض للأزياء
إلى جانب الجدل الفني، خطف أبطال الفيلم الأنظار خلال الجولة الترويجية للعمل، بعدما اختاروا إطلالات مستوحاة من أجواء الفيلم والأساطير اليونانية، ما جعل السجادة الحمراء جزءاً من الحملة الدعائية للفيلم.


كما ساهم حضور نجوم الفيلم، بينهم مات ديمون، آن هاثاواي، توم هولاند، وزيندايا، في زيادة الاهتمام العالمي بالمشروع، خصوصاً مع ضخامة الإنتاج واعتماد نولان على تقنيات تصوير IMAX لتقديم تجربة بصرية ملحمية .
بين احترام الأسطورة وحرية السينما
وبينما يرى منتقدون أن «الأوديسة» ابتعدت عن بعض ملامح النص الأصلي، يعتبر مؤيدو الفيلم أن قوة الأساطير تكمن في قدرتها على التجدد وإعادة التفسير. ويبقى التحدي الأكبر أمام كريستوفر نولان هو إثبات أن هذه الاختيارات المثيرة للجدل لم تكن مجرد تغييرات شكلية، بل جزء من رؤية سينمائية قادرة على إعادة تقديم واحدة من أعظم القصص الإنسانية بطريقة تناسب جمهور القرن الحادي والعشرين.