يبدو أن كوب الشاي الذي يبدأ به كثيرون يومهم أو يرافق لحظات الاسترخاء قد يخفي وراءه جانباً غير متوقع. فقد كشفت دراسة علمية أجراها باحثون من جامعة برمنغهام البريطانية عن وجود جزيئات بلاستيكية دقيقة في مجموعة واسعة من المشروبات الساخنة والباردة المتداولة في السوق البريطانية، مع تسجيل أعلى تركيز في الشاي الساخن.
الدراسة، التي نُشرت في مجلة Science of the Total Environment، اعتمدت على تحليل 155 عينة من مشروبات مختلفة، بهدف تقييم حجم تعرض الإنسان للميكروبلاستيك من خلال المشروبات التي يستهلكها يومياً، وليس المياه وحدها. وأظهرت النتائج وجود جزيئات البلاستيك الدقيقة في جميع العينات التي خضعت للتحليل.
الشاي الساخن في الصدارة
وفق نتائج البحث، بلغ متوسط تركيز الميكروبلاستيك في الشاي الساخن نحو 60 جزيئاً لكل لتر، وهو أعلى معدل بين المشروبات التي شملتها الدراسة. وبحساب تقريبي، يعادل ذلك نحو 15 جزيئاً في كوب سعته 250 مل.
وجاءت القهوة الساخنة في المرتبة التالية بمتوسط 43 جزيئاً لكل لتر، بينما سجلت القهوة المثلجة 37 جزيئاً، والشاي المثلج 31 جزيئاً لكل لتر. أما العصائر فبلغ متوسط تركيزها 30 جزيئاً، ومشروبات الطاقة 25 جزيئاً، في حين سجلت المشروبات الغازية أدنى معدل ضمن الفئات المذكورة، بمتوسط 17 جزيئاً لكل لتر.
الحرارة قد تكون عاملاً مؤثراً
ومن أبرز ما لفت انتباه الباحثين أن المشروبات الساخنة احتوت عموماً على مستويات أعلى من الميكروبلاستيك مقارنة بالمشروبات الباردة. وتشير نتائج الدراسة إلى أن ارتفاع درجة الحرارة يمكن أن يعزز انتقال الجزيئات البلاستيكية من مواد التغليف إلى المشروبات.
ولم تقتصر الجزيئات المكتشفة على نوع واحد، إذ تراوحت أحجامها بين 10 و157 ميكرومتراً، وكانت الشظايا الشكل الأكثر انتشاراً، تلتها الألياف. كما كان البولي بروبيلين أكثر أنواع البوليمرات اكتشافاً، إلى جانب البوليسترين وPET والبولي إيثيلين.
من أين يأتي الميكروبلاستيك؟
تشير الدراسة إلى أن مواد التغليف البلاستيكية يمكن أن تسهم بشكل كبير في تلوث المشروبات بهذه الجزيئات، خصوصاً المواد المستخدمة في تصنيع العبوات والتغليف. كما أن ارتفاع الحرارة قد يزيد من عملية انتقال بعض الجزيئات من مواد التغليف إلى السائل.
ووفق تقديرات الباحثين، بلغ متوسط التعرض اليومي للميكروبلاستيك الناتج عن استهلاك مختلف المشروبات نحو 1.65 جزيئاً لكل كيلوغرام من وزن الجسم يومياً، مع اختلاف بسيط بين النساء والرجال. كما خلصت الدراسة إلى أن الاعتماد على مياه الشرب وحدها عند تقدير التعرض للميكروبلاستيك قد يؤدي إلى التقليل من حجم التعرض الكلي.
هل يعني ذلك أن الشاي يسبب أضراراً صحية؟
رغم إثارة هذه النتائج للانتباه، فإنها لا تعني أن شرب الشاي يسبب الالتهابات أو الاضطرابات الهرمونية بشكل مباشر. الدراسة ركزت أساساً على قياس وجود الميكروبلاستيك ومستويات التعرض له، ولم تثبت أن الكمية الموجودة في الشاي تؤدي إلى مرض معين.
وتبقى التأثيرات الصحية طويلة المدى للتعرض للميكروبلاستيك موضوعاً قيد البحث العلمي، لذلك فإن تحويل نتائج الدراسة إلى تحذير مباشر من شرب الشاي سيكون استنتاجاً يتجاوز ما أثبتته الدراسة نفسها.
هل نتوقف عن شرب الشاي؟
لا تقدم الدراسة توصية بالتوقف عن تناول الشاي، وإنما تسلط الضوء على مصدر محتمل من مصادر التعرض اليومي للميكروبلاستيك. وفي الوقت نفسه، تكشف النتائج أهمية مواصلة دراسة العلاقة بين التغليف البلاستيكي ودرجة حرارة المشروبات وانتقال الجزيئات الدقيقة إليها.
وبالنسبة لمحبي الشاي، قد تكون الرسالة الأهم هي أن وجود الميكروبلاستيك في المشروبات ليس ظاهرة مرتبطة بالشاي وحده، بل رُصد في جميع العينات التي حللها الباحثون. ولذلك فإن القضية الأوسع تتعلق بالتعرض اليومي للبلاستيك ومصادره المختلفة، وليس بكوب الشاي وحده.