نظرا للتقدم التكنولوجي الذي بات يعرف انتشارا وتطورا كبيرا، ظهرت ما يسمى بالجريمة أو العنف الإلكتروني، والذي يتمثل في الغالب في السخرية والتنمر والتعليقات الجارحة، مما يسبب ضغوطا نفسية خطيرة، خاصة عندما يكون المستهدف فئة الشباب والمراهقين والنساء.
في هذا الصدد، ارتأت “مجلة لالة فاطمة” أن تسلط الضوء على هذه الظاهرة، وأن توجه أهم الأسئلة إلى المختصين في الأمن السيبراني، لنكتشف معا كيف يمكن أن نحمي أنفسنا من هذه الظاهرة، ومتى يمكننا التقدم بالشكوى القانونية، وهو ما سيوضحه رئيس المركز المغربي للأبحاث المتعددة التقنيات والابتكار، مدير فضاء مغرب الثقة السيبرانية، يوسف بن الطالب.
ما أهم خطوات الحماية الرقمية التي يجب أن يتعلمها الشباب؟
الحماية الرقمية تبدأ بسلوكيات وممارسات بسيطة لكنها فعالة. فمن الضروري أن يتعلم الشباب بالأخص حماية حياتهم الخاصة من خلال مثلا عدم مشاركة معلوماتهم الشخصية بسهولة، وعدم قبول طلبات الصداقة من أشخاص مجهولين، واستعمال كلمات مرور قوية ومختلفة لكل حساب، مع تفعيل خاصية التحقق الثنائي تجنبا لقرصة حساباتهم وصفحاتهم على منسات التواصل الاجتماعي وغيرها.
كما نؤكد على أهمية التفكير مليا قبل النشر، لأن ما يُنشر اليوم قد يتحول إلى مصدر أذى في المستقبل. هذه المبادئ تشكل محورًا أساسيًا في الورشات التوعوية التي ينظمها المركز من خلال فضاء مغرب الثقة السيبرانية لفائدة الشباب، خاصة في بالمؤسسات التعليمية.
كيف يمكن إعداد الخصوصية بشكل آمن على مواقع التواصل؟
تشكّل إعدادات الخصوصية خط الدفاع الأول لحماية المستخدمين من العنف الرقمي والتحرش الإلكتروني عموما. لذلك، من الضروري مراجعتها بشكل دوري لضمان التحكم فيمن يمكنه الاطلاع على المعلومات الشخصية، ومن يمكنه مشاهدة المنشورات أو إرسال طلبات الصداقة، ومن يمكنه متابعة الأنشطة على مواقع التواصل الاجتماعي.
كما تشمل هذه الإعدادات إدارة المعطيات المتعلقة بالموقع الجغرافي والأنشطة اليومية، فضلاً عن التحكم في الإعلانات والمحتوى الدعائي. توفر كل منصة دليلًا خاصًا لإعدادات الخصوصية يمكن الرجوع إليه، ويُستحسن ضبط هذه الإعدادات قبل البدء في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، مع ضرورة مرافقة الأطفال ومساعدتهم على القيام بذلك عند دخولهم إلى هذه المواقع لأول مرة.
متى يكون الحظر كافيًا، ومتى يجب الإبلاغ؟
يكون الحظر كافيًا في الحالات البسيطة والمعزولة التي لا تتضمن تهديدًا أو تشهيرًا. أما عندما يتكرر العنف أو ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي و مجموعات الدردشة، أو يتخذ شكل تهديد أو ابتزاز، أو يشمل نشر صور ومعلومات خاصة، فإن الإبلاغ يصبح ضروريًا، سواء لدى المنصة الرقمية أو المنظمات أو الجهات المختصة. نؤكد دائمًا أن الصمت لا يحمي الضحية، بل يمنح المعتدي مزيدًا من القوة والاستمرار.
كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة على العنف الرقمي؟
الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة زادت من تعقيد العنف الرقمي، حيث أصبح من الممكن إنشاء صور أو مقاطع فيديو مزيفة، أو تقليد الأصوات والوجوه، وهو ما يُعرف بـ“التزييف العميق”. هذه التقنيات قد تُستعمل للتشهير أو الابتزاز أو التضليل، خاصة ضد الأطفال والمراهقين.
كما أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تفتقر إلى الشفافية، حيث يمكن أن تكون هي بذاتها مصدرا للعنف الرقمي والتمييز والاقصاء، لكن في المقابل، يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي بشكل إيجابي في رصد المحتوى العنيف وتحصين أنظمة الأمن الرقمي.
هل القوانين الحالية كافية لمحاسبة مرتكبي العنف الرقمي؟
القوانين المغربية تتضمن مقتضيات مهمة تجرّم العديد من أفعال العنف الرقمي، مثل التشهير، الابتزاز، انتحال الهوية، والمس بالحياة الخاصة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وجود النص القانوني، بل في مدى وعي الضحايا بحقوقهم، وسهولة الولوج إلى آليات التبليغ، وسرعة التفاعل والتدخل. لذلك يعمل المركز المغربي للأبحاث المتعددة التقنيات والابتكار، بشراكة مع فاعلين مؤسساتيين، على تبسيط المعلومة القانونية وتقريبها من الشباب والأسر.
لكن تحيين القوانين الحالية من خلال وضع تعريف قانوني واضح للعنف الرقمي من جهة، ومن أجل الاستجابة للتطور التكنلوجي الذي يعرفه الفضاء الرقمي كالذكاء الاصطناعي مثلا، يعتبر أمرا مهما بل ضروريا، بالإضافة الى الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة من أجل تحصين المناعة القانونية.