جاءت دراسة حديثة لتسلّط الضوء على جانب يهم كل موظف وموظفة في خضم النقاش المتواصل حول العودة إلى المكاتب وهو الراحة النفسية في العمل.
فقد أظهرت الدراسة أن الموظفين الذين يعملون عن بُعد سجلوا مستويات أعلى من الرفاهية مقارنة بزملائهم الذين يعملون بنظام هجين أو من مقر المؤسسة. ولا يعني ذلك أن العمل من المنزل يناسب الجميع، لكنه يفتح الباب أمام سؤال مهم: كيف يمكن أن نجعل حياتنا المهنية أكثر توازناً وراحة؟
نُشرت الدراسة في مجلة Frontiers in Psychology في الـ29 من يوليوز المنصرم، وأعدها باحثون من بينهم أليسا إم. ليزكانو، ستيفاني أ. زاجاك، ستيفاني ك. جونسون وكورتني إل. هولاداي. واعتمدت على بيانات 7,704 موظفين موزعين على ثلاثة أنماط للعمل.
العاملون عن بُعد.. راحة أكبر
شملت العينة 1,869 موظفاً يعملون عن بُعد، و2,099 موظفاً بنظام هجين، و3,736 موظفاً حضورياً.
وبلغ متوسط الرفاهية 4.22 من 5 لدى العاملين عن بُعد، مقابل 4.12 لدى العاملين بنظام هجين و3.89 لدى العاملين من المكتب. كما أظهرت التحليلات الإحصائية وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين أنماط العمل الثلاثة في هذا المؤشر.
وتوحي هذه الأرقام بأن الابتعاد عن زحمة الطريق، وتفادي ساعات التنقل الطويلة، والقدرة على تنظيم اليوم بمرونة أكبر، قد تمنح بعض الموظفين إحساساً أعمق بالراحة والسيطرة على تفاصيل حياتهم اليومية.
فبالنسبة إلى كثيرين، قد يعني العمل من المنزل صباحاً أكثر هدوءاً، ووقتاً إضافياً مع الأسرة، ومساحة أفضل للتوفيق بين المسؤوليات المهنية والشخصية.
التواصل.. الأهم هو الجودة
سجل العاملون عن بُعد أعلى نسبة في مؤشرات التواصل الإيجابي داخل مكان العمل، بلغت 61%، مقابل 58% لدى العاملين بنظام هجين و55% لدى العاملين حضورياً.
لكن هذه الفروق لم تكن ذات دلالة إحصائية في التحليلات اللاحقة. لذلك، لا تثبت الدراسة أن العمل عن بُعد يجعل العلاقات المهنية أفضل، كما لا تقدم دليلاً قوياً على أنه يؤدي بالضرورة إلى العزلة أو ضعف التواصل.
وفي النهاية، قد لا يكون وجود الموظفين في المكان نفسه هو العامل الحاسم، بقدر ما تكون جودة التواصل، ووضوح المهام، وسرعة التفاعل، وشعور كل فرد بأنه مسموع ومقدَّر داخل المؤسسة.
فحتى من خلف شاشة الحاسوب، يمكن للعلاقات المهنية أن تبقى دافئة وفعالة، متى توفرت الثقة والاحترام وروح الفريق.
الاستقالات.. فروق بسيطة
بلغ معدل مغادرة العمل خلال السنة التالية لجمع البيانات 7.8% لدى العاملين عن بُعد، مقابل 8.3% لدى العاملين بنظام هجين و8.8% لدى العاملين حضورياً.
ومع ذلك، لم تكن الفروق بين المجموعات ذات دلالة إحصائية، ما يعني أنها لا تثبت أن العمل عن بُعد يقلل معدلات الاستقالة. في المقابل، ارتبط ارتفاع مستوى الرفاهية بانخفاض احتمالية مغادرة الموظف للعمل.
وهنا تبدو الرسالة واضحة: حين يشعر الموظف بالراحة والتقدير، ويجد توازناً أفضل بين عمله وحياته، قد يصبح أكثر ارتباطاً بمؤسسته وأكثر رغبة في الاستمرار داخلها.
دراسة ترصد ولا تحسم
رغم أهمية هذه النتائج، لا تثبت الدراسة أن العمل من المنزل هو السبب المباشر في ارتفاع الرفاهية؛ فهي دراسة رصدية تقارن بين مجموعات من الموظفين، وليست تجربة عشوائية توزع المشاركين بين العمل عن بُعد والعمل الحضوري.
كما أن الموظفين الذين يختارون العمل عن بُعد قد يختلفون أصلاً عن غيرهم في طبيعة وظائفهم، أو ظروفهم الشخصية، أو مستوى المرونة المتاح لهم. لذلك، ينبغي قراءة النتائج باعتبارها علاقة بين نمط العمل والرفاهية، لا باعتبارها دليلاً قاطعاً على السبب والنتيجة.