مصطفى عنترة
عاد ملف التمثيلية السياسية للنساء مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، إلى واجهة النقاش العمومي باعتباره أحد أبرز رهانات الإصلاح الديمقراطي بالمغرب، وليس مجرد مطلب فئوي أو قضية تهم النساء وحدهن. فقد أصبحت مشاركة المرأة في المؤسسات المنتخبة معيارا أساسيًا لقياس جودة الديمقراطية ومدى احترام مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص اللذين كرسهما دستور سنة 2011. كما يعكس هذا النقاش حجم الفجوة بين المقتضيات الدستورية والالتزامات الدولية للمغرب من جهة، ومستوى التفعيل السياسي والتشريعي لهذه المبادئ من جهة أخرى، مما يجعل قضية التمثيلية النسائية اختبارا حقيقيا لإرادة الفاعلين السياسيين في بناء ديمقراطية أكثر شمولا وإنصافا.
فبعد أكثر من عقد على دسترة مبدأ المناصفة، ما تزال النساء يواجهن صعوبات كبيرة في الوصول إلى مواقع القرار والتمثيل البرلماني، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول أسباب استمرار هذا الاختلال، وحول مدى التزام الأحزاب السياسية والمؤسسات العمومية بروح الإصلاحات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
في هذا السياق، جاءت مبادرة المجتمع المدني النسائي والحقوقي لتدق ناقوس الخطر بشأن ما وصفته باستمرار التراجع في حضور النساء داخل مواقع القيادة الانتخابية، خصوصا على مستوى رئاسة اللوائح ووكالتها. وهي معطيات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد أرقام انتخابية عابرة، بل تعكس خللا أعمق في بنية العمل السياسي والحزبي، وتكشف حدود التحول الديمقراطي عندما يتعلق الأمر بتقاسم السلطة والتمثيل بين النساء والرجال.
لقد نجح المغرب خلال العقود الأخيرة في بناء ترسانة قانونية ودستورية متقدمة نسبيا في مجال المساواة بين الجنسين. فدستور 2011 نص بوضوح على مبدأ المناصفة، وأكد التزام الدولة بمحاربة كافة أشكال التمييز. كما تم اعتماد مجموعة من الآليات القانونية الهادفة إلى تعزيز الحضور النسائي داخل المؤسسات المنتخبة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا لم ينعكس هذا التقدم التشريعي على واقع التمثيلية السياسية للنساء بالشكل المأمول؟
الجواب يكمن، في جزء كبير منه، في طبيعة البنية الحزبية نفسها. فالأحزاب السياسية، التي يفترض أن تكون مدرسة للديمقراطية والتداول على المسؤوليات، ما تزال في كثير من الأحيان أسيرة أنماط تقليدية في تدبير السلطة الداخلية، إذ تظل مواقع القرار محكومة بشبكات نفوذ ذكورية متجذرة، تجعل من الصعب على النساء الوصول إلى المراكز الحاسمة في صناعة القرار الحزبي. ويظهر ذلك بوضوح في عملية إعداد اللوائح الانتخابية، حيث يحتكر الرجال في الغالب مواقع وكلاء اللوائح، وهي المواقع التي تمنح أصحابها أفضل فرص الوصول إلى البرلمان.
ولا يتعلق الأمر فقط بوجود رجال أكثر من النساء في المشهد السياسي، بل بآلية إعادة إنتاج النخب ذاتها داخل الأحزاب. فغالبا ما تُمنح الأولوية لمن يمتلكون شبكات نفوذ وعلاقات داخلية قوية، بينما يتم تهميش العديد من الكفاءات النسائية، رغم ما راكمته من خبرة في العمل السياسي والجمعوي والنقابي. وهكذا تتحول المنافسة السياسية من فضاء للتكافؤ والاستحقاق إلى مجال تتحكم فيه التوازنات الداخلية والاعتبارات التنظيمية الضيقة.
إلى جانب هذا العامل البنيوي، تبرز مشكلة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في الفجوة بين النص القانوني والممارسة السياسية. فمن المفارقات اللافتة أن الأحزاب التي ترفع شعارات الديمقراطية والمساواة في برامجها وخطاباتها الانتخابية، لا تنجح دائما في ترجمة هذه المبادئ داخل هياكلها التنظيمية. ولهذا تبدو المناصفة في كثير من الأحيان أقرب إلى شعار سياسي أو التزام أخلاقي منها إلى سياسة فعلية ملزمة. وحتى الآليات المعتمدة لتعزيز تمثيلية النساء، مثل نظام “الكوطا” أو اللوائح المخصصة، ظلت تُستخدم كحلول تقنية مؤقتة أكثر منها مدخلا لإحداث تحول ثقافي عميق داخل الأحزاب.
كما لا يمكن إغفال تأثير العوامل الاجتماعية والثقافية التي ما تزال تلقي بظلالها على المشاركة السياسية للنساء. فرغم التحولات الكبيرة التي عرفها المجتمع المغربي، ما تزال بعض التمثلات التقليدية تنظر إلى المجال السياسي باعتباره فضاء ذكوريا بامتياز. هذه التصورات لا تؤثر فقط على الناخبين، بل تمتد إلى الأحزاب نفسها وإلى آليات اختيار المرشحين، حيث تواجه النساء في كثير من الأحيان أحكاما مسبقة وتشكيكا مضاعفا في قدراتهن مقارنة بالرجال.
استمرار هذا الوضع لم يعد قابلا للتبرير. فالمرأة المغربية أثبتت حضورها في مختلف المجالات، من الإدارة والقضاء والدبلوماسية إلى الجامعة والمجتمع المدني والقطاع الخاص. كما راكمت تجارب سياسية مهمة داخل الجماعات الترابية والبرلمان والحكومة. وبالتالي فإن الحديث عن نقص الكفاءات النسائية، لم يعد سوى ذريعة تخفي مقاومة بعض النخب التقليدية لأي تغيير حقيقي في موازين القوة داخل المؤسسات السياسية.
إن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بزيادة عدد النساء داخل البرلمان، بل بإعادة النظر في فلسفة التمثيل السياسي نفسها. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود انتخابات دورية، وإنما أيضا بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على عكس التنوع الحقيقي للمجتمع. وعندما تظل النساء، اللواتي يشكلن نصف المجتمع، ممثلات بشكل ناقص أو هامشي، فإن ذلك يعكس خللا في جودة التمثيل الديمقراطي وفي عدالة توزيع السلطة السياسية.
ولهذا فإن المسؤولية لا تقع على عاتق الأحزاب وحدها، بل تشمل أيضا الدولة وتحديدا وزارة الداخلية المكلفة بتأطير العملية الانتخابية، والتي يتعين عليها ضمان احترام روح الإصلاحات الدستورية والقانونية، وعدم الاكتفاء بتدبير الجوانب التقنية للانتخابات. كما أن المجتمع المدني مطالب بمواصلة الضغط والترافع من أجل تحويل المناصفة من مطلب نظري إلى ممارسة سياسية فعلية.
في النهاية، تكشف قضية تمثيلية النساء في الانتخابات التشريعية لسنة 2026 عن مفارقة عميقة في التجربة الديمقراطية: تقدم واضح على مستوى النصوص والتشريعات، يقابله تعثر مستمر في الممارسة السياسية. وبينما تواصل الدولة والأحزاب الحديث عن المساواة والمناصفة، ما تزال النساء ينتظرن ترجمة هذه المبادئ إلى واقع ملموس يضمن لهن مكانا طبيعيا في مواقع القرار.
إن المشكل اليوم لم يعد يتمثل في غياب النصوص، وإنما في غياب الإرادة السياسية الكفيلة بتحويلها إلى واقع ديمقراطي ملموس. فالمقتضيات الدستورية والقانونية وفرت الإطار اللازم لتعزيز المشاركة السياسية للنساء، بيد أن ضعف التنزيل العملي لا يزال يحد من فعاليتها.
وإذا كانت الديمقراطية تقاس بمدى قدرة المجتمع على إشراك جميع مكوناته في صناعة القرار، فإن المناصفة لم تعد ترفا سياسيًا أو مطلبا فئويا، بل أصبحت معيارا لقياس جودة الديمقراطية واختبارا حقيقيا لمدى صدقية المشروع الديمقراطي ببلادنا، وقدرته على الانتقال من منطق الاعتراف بالحقوق إلى منطق ممارستها الفعلية داخل المؤسسات المنتخبة.