رحل مساء أول أمس الخميس، المخرج السينمائي المغربي مصطفى الدرقاوي، عن عمر ناهز 82 عاماً، بعد مسيرة فنية طويلة ترك خلالها بصمة خاصة في تاريخ السينما المغربية .
برحيل الدرقاوي، تفقد السينما المغربية واحداً من روادها الذين لم ينظروا إلى الفن السابع باعتباره مجرد صناعة للفرجة، بل آمنوا بقدرته على مساءلة الواقع وطرح الأسئلة الكبرى حول المجتمع والإنسان.
وُلد مصطفى الدرقاوي بمدينة وجدة سنة 1944، وبدأ اهتمامه بالفن في وقت مبكر، قبل أن يتجه إلى دراسة السينما خارج المغرب، حيث تلقى تكويناً سينمائياً ساهم في تشكيل رؤيته الخاصة وأسلوبه الذي ظل حاضراً في أعماله على امتداد عقود.
«أحداث بلا دلالة».. فيلم سبق زمنه
يُعد فيلم «أحداث بلا دلالة»، الذي أخرجه الدرقاوي سنة 1974، من أبرز المحطات في مسيرته، كما يُنظر إليه باعتباره أحد الأعمال المهمة في تاريخ السينما المغربية.
اختار الدرقاوي من خلال الفيلم الاقتراب من الواقع اليومي وطرح أسئلة حول علاقة السينما بالمجتمع، مقدماً تجربة مختلفة عن السائد آنذاك. ولم يكن الفيلم مجرد حكاية سينمائية، بل تجربة فنية وفكرية تتقاطع فيها الوثيقة بالخيال، وتضع دور السينمائي أمام أسئلة الواقع.
لكن العمل لم يحظَ بعرض طبيعي في المغرب، وظل لسنوات طويلة بعيداً عن الجمهور، قبل أن يُعاد اكتشافه وترميمه، ليعود بعد عقود إلى الواجهة الدولية ويُعرض ضمن فعاليات مهرجان برلين السينمائي سنة 2019.
عودة الفيلم إلى الشاشة منحت تجربة الدرقاوي حياة جديدة، وعرّفت أجيالاً جديدة بعمل سينمائي مغربي ظل لسنوات حبيس الذاكرة والأرشيف.
مسيرة حافلة بالأفلام والتجريب
واصل مصطفى الدرقاوي مسيرته السينمائية عبر مجموعة من الأعمال التي تنوعت بين الدراما والتجريب، من بينها «أيام شهرزاد الجميلة» و«عنوان مؤقت» و «أبواب الليل السبعة» و«غراميات الحاج المختار الصولدي»، إلى جانب أعمال أخرى رسخت حضوره في المشهد السينمائي المغربي.
كما اشتغل في عدد من المهن المرتبطة بالسينما، من الإخراج وكتابة السيناريو إلى المونتاج والإنتاج، وهو ما يعكس تعدد اهتماماته ورغبته في التحكم في مختلف عناصر العمل السينمائي.
وخلال مسيرته، حظي الدرقاوي بالتكريم والاعتراف، من بينها تكريمه في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، إلى جانب توشيحه تقديراً لإسهاماته في المجال الثقافي والفني.
إرث يتجاوز الأفلام
لم يكن حضور مصطفى الدرقاوي مرتبطاً بعدد الأفلام التي أخرجها فقط، بل بما تركه من تصور خاص للسينما المغربية. فقد ظل وفياً لفكرة أن الفيلم يمكن أن يكون مساحة للتفكير والنقاش، وأن الكاميرا قادرة على الاقتراب من القضايا التي تشغل الإنسان المغربي ومساءلة الواقع من زوايا مختلفة.
وبين التجريب والبحث، وبين لحظات المنع والعودة إلى الواجهة، صنع الدرقاوي مساراً سينمائياً خاصاً، جعل اسمه حاضراً في ذاكرة الفن السابع المغربي.
وبرحيله، تُطوى صفحة أحد أبناء الجيل الذي ساهم في تشكيل ملامح السينما المغربية الحديثة، لكن أفلامه ستظل شاهدة على تجربة مخرج لم يكتفِ بصناعة الحكايات، بل أراد للسينما أن تكون وسيلة للتفكير، وطرح الأسئلة، وقراءة الإنسان والمجتمع.