من بعد الفلك المشحون الذي صنعه نوح عليه السلام بأوامر ربانية ، لم تحظ سفينة بمثل ما نالته تايتانيك من شهرة واسعة ، ورغم الفوارق الشاسعة في كل شئ بين السفينتين ، إلا أنهما تشتركان في شئ واحد ، فكلتاهما أبحرت لمرة واحدة فقط كانت رحلتها الأولى والأخيرة ، وبينما أنقذت سفينة نوح المصنوعة من الألواح والدسر وتحرسها مشيئة الله ، نوحا ومن معه من بشر وأنعام ، واستقرت على جبل ،غاصت تايتانك بهيكلها الفولاذي الجبار إلى أعماق المحيط ، بعد معركة خاطفة بين الجليد والحديد ، أنتهت بإنتصار الجليد بالضربة القاضية.
ليس العشاق فقط هم جيران القمر ، بل إن أمواج المحيط أكثر تأثرا بالقمر إذ ترتبط به منذ الأزل ، يقترب القمر فيرد المحيط بمد وكأن أمواجه ترغب في ملامسة وجه القمر الفضي ، يبتعد القمر فتحزن مياه المحيط لبعده وتنحسر مياهه في “جَزر” على إمتداد الشاطئ لتعود في “مد” جديد حين عودة القمر.
في ليلة الرابع من يناير قبل مائة عام اقترب القمر من الأرض ، فكان اقرب مايكون إليها خلال 1400 عام خلت ، حدث الإقتراب كما يقول فلكيون خلال ست دقائق بعد أن اكتمل بدرا ، فهل كان البدر يسترق السمع إلى ماتهامس به صناع السفن في ميناء ثاوثهامبتون الإنجليزي عن “تايتانيك” المارد البحري غير القابل للغرق أو هكذا اعتقد مصمموها الذين احتاطوا لكل شئ ، وزودوها بكل مايمكنهم آنذاك من علم ووسائل رفاهية تجعل الرحلة على متنها حلما مترفا ، اقترب القمر أكثر فتعالى مد المحيط ، همس القمر في إذن امواج المد العالية بما سمعه عن تايتانيك السفينة العملاقة التي لا يمكن إغراقها ، ثار المد أكثر من هذا التحدي السافر لقوى الطبيعة الجبارة ، بارتفاع المد تكسرت جزر جليـــدية قرب “جرين لاند” وطفت محمولة على أعناق المد الجبار في اتجاه الممر الملاحي شمال الأطلسي ، قطعت جبال الجليد مئات الأميال لتكون في المكان والموعد المقدر للقاء تايتانيك ، وعند الساعة 23:40 مساء يوم 14 ابريل 1912 قبالة الساحل الكندي ، و في لمح البصر تلقت السفينة العملاقة لكمة هائلة من يد جليدية قاتلة .
تحرك جبل الجليد وطفا بتأثير أرتفاع المد الناتج عن اقتراب القمر قبل الحادثة بثلاثة أشهر ، فهل شارك القمر الصديق الفضي للمحبين في إغراق ضحايا كانت من بينهم قصص حب رائعة؟ فهل شاهد القمر خليل العاشقين المزعوم ، السيدة ايدا شتراوس التي رفضت ترك زوجها والذهاب مع الآخرين إلى قارب النجاة حين أمر القبطان بإخلاء تايتانيك بعد أن تأكد أنها ستغرق ، قائلة “لم اترك زوجي من قبل، وسأرافقه أينما ذهب” فغمرتهما مياه جليدية لم تستطع أن تنال من مشاعر ظلت دافئة حتى الأنفاس الأخيرة .
غرقت تايتانيك ولكن المخرج السينمائي الكندي جيمس كاميرون ، وبعد ما يقرب من قرن من الزمان ، قرر الغطس لعمق 3600 مترا تحت سطح المحيط لينتشل الذكريات الإنسانية العالقة بحطام تايتانيك الراقد هناك ، لم يفكر في الحطام ذاته ولا بالفولاذ ولا بما حملته السفينة من تجهيزات الرفاهية ، لم يهتم بالتصميم الهندسي للسفينة ، ولكنه كان يبحث عن بقايا الحكايات الجميلة والمفزعة ، بمسرح أحداث أفاضت مشاعر انسانية عميقة ومؤثرة في لحظات النهاية الرهيبة.
وعلى نغمات صوت سيلين ديون ، تغني My heart will go on اعاد كاميرون الجانب الإنساني للأحداث حيا نابضا ليصبه تفاعلا وألما ودموعا ولوعة في قلوب ملايين المشاهدين في أنحاء العالم ، ليصبح فيلمه احدى ايقونات السينما العالمية .