في كثير من البيوت، يواجه الآباء والأمهات سلوكيات عصبية متكررة من أبنائهم، تتراوح بين نوبات الغضب السريع، والصراخ، ورفض الأوامر، وأحيانا العنف اللفظي أو الجسدي.
هذا السلوك يضع الأسرة في حالة توتر دائم، ويطرح سؤالاً أساسيا، كيف نتعامل مع الطفل العصبي دون أن نزيد الوضع تعقيدا؟تشير دراسات في علم النفس التربوي إلى أن العصبية عند الأطفال ليست مشكلة في حد ذاتها، بل هي عرض لاحتياجات غير ملباة أو لمشاعر لا يستطيع الطفل التعبير عنها بشكل سليم.
فالأطفال، بخلاف الكبار، لا يمتلكون دائما القدرة اللغوية أو العاطفية للتعبير عن القلق، الإحباط، الغيرة أو الخوف، فتتحول هذه المشاعر إلى سلوك عصبي.
أول ما يؤكد عليه المختصون هو ضرورة فهم أسباب العصبية قبل محاولة تصحيح السلوك. فقد يكون الطفل متعبا، جائعا، محروما من النوم، أو متأثرا بتغيرات داخل الأسرة مثل الخلافات الزوجية، الانتقال من بيت إلى آخر، أو قدوم أخ أو أخت جديدة.
كما أن الضغط الدراسي والمقارنة المستمرة بالآخرين قد يولدان توترا داخليا يظهر على شكل غضب.
من الأخطاء الشائعة في التعامل مع الطفل العصبي هو الرد بالعصبية نفسها. فالدراسات تؤكد أن الصراخ والعقاب القاسي لا يعلمان الطفل الهدوء، بل يعززان لديه فكرة أن الغضب هو وسيلة مقبولة للتواصل. لذلك ينصح المختصون بالتحكم في انفعالات الكبار أولا، لأن الطفل يتعلم من خلال التقليد أكثر مما يتعلم من الأوامر.
التواصل الهادئ يعد من أهم المفاتيح في التعامل مع الأبناء العصبيين. عندما يهدأ الطفل، يجب التحدث معه بلغة بسيطة ومباشرة، مع الاعتراف بمشاعره دون تبرير سلوكه الخاطئ. على سبيل المثال، يمكن القول: “أفهم أنك غاضب، لكن الضرب أو الصراخ غير مقبول”. هذا الأسلوب يساعد الطفل على الشعور بأنه مفهوم ومسموع، وفي الوقت نفسه يضع حدودا واضحة للسلوك.
كما يشدد المختصون على أهمية تعليم الطفل مهارات التعبير عن المشاعر. فبدلا من كبت الغضب أو انفجاره، يمكن تدريب الطفل على تسمية مشاعره، وأخذ نفس عميق، أو الابتعاد قليلا عن الموقف المثير للتوتر.
بعض الدراسات تشير إلى أن الأطفال الذين يتعلمون هذه المهارات في سن مبكرة يصبحون أكثر قدرة على التحكم في انفعالاتهم مستقبلا.
الروتين اليومي المستقر يلعب دورا كبيرا في تقليل العصبية. فالأطفال يحتاجون إلى شعور بالأمان والتوقع، وهذا يتحقق من خلال مواعيد نوم منتظمة، أوقات محددة للعب والدراسة، وتقليل الفوضى في حياتهم اليومية. غياب الروتين يجعل الطفل أكثر عرضة للتوتر والانفعال.
ولا يمكن إغفال دور التعزيز الإيجابي، حيث توصي الأبحاث بتشجيع السلوك الهادئ بدل التركيز فقط على السلوك السلبي. عندما ينجح الطفل في السيطرة على غضبه أو التعبير عن مشاعره بطريقة سليمة، يجب ملاحظة ذلك ومدحه، لأن هذا يعزز تكرار السلوك الإيجابي.
في الحالات التي تكون فيها العصبية مفرطة أو مصحوبة بمشاكل أخرى مثل القلق الشديد، صعوبات التعلم، أو العزلة الاجتماعية، ينصح المختصون بعدم التردد في طلب مساعدة مختص نفسي أو تربوي. فالتدخل المبكر يساعد على فهم أعمق للمشكلة ووضع خطة مناسبة لدعم الطفل والأسرة معا.
في النهاية، يؤكد الخبراء أن التعامل مع الأبناء العصبيين يتطلب صبرا، فهما، واستمرارية. فالعصبية ليست صفة دائمة، بل مرحلة أو رد فعل يمكن تجاوزه إذا وجد الطفل بيئة آمنة، وحدودا واضحة، ونماذج إيجابية يتعلم منها كيفية إدارة مشاعره بطريقة صحية.