يُعرَّف التوتر المزمن بأنه حالة نفسية مستمرة لفترة طويلة، يتجاوز فيها الضغط قدرة الجسد على التكيّف. هذه الحالة لم تعد توصف فقط كتعب نفسي؛ فالدراسات الحديثة تكشف أثرًا أعمق يمسّ الجهاز المناعي ويغيّر طريقة دفاع الجسم عن نفسه.
كيف يتأثر الجهاز المناعي؟
عندما يستمر التوتر لفترات طويلة، يتدخل محورا الدماغ والغدد الصماء: الجهاز العصبي الودي، ومحور الوطائي–النخامي–الكظري (HPA). يؤدي هذا إلى ارتفاع مستمر في هرمون الكورتيزول في الدم. ومع الزمن، يفقد الجسم قدرته على الاستجابة لهرمون التهدئة هذا، فتضعف كفاءته في كبح الالتهاب.
ينتج عن ذلك خلل في المناعة يتمثل في:
انخفاض نشاط الخلايا القاتلة الطبيعية (NK) والخلايا التائية المسؤولة عن مواجهة العدوى
ارتفاع مؤشرات الالتهاب مثل IL-6 وCRP التي قد تؤدي إلى التهابات مزمنة
مناعة مضطربة.. وأمراض تتسلل
تشير الأبحاث إلى أن الالتهاب المرتبط بالتوتر المزمن يزيد خطر الإصابة بأمراض مناعية وأخرى قلبية أيضية، كما يضعف الاستجابة للقاحات ويرفع قابلية العدوى.
هذا الأثر لا يحدث دفعة واحدة، بل يتراكم ببطء فيما يُعرف بـ العبء الفسيولوجي (Allostatic load)، وهو مقياس يجمع تأثير الضغوط المتكررة على أجهزة الجسم، بينها المناعة. وقد طوّرت دراسات حديثة طرقًا جديدة لتتبعه وقياسه بدقة
التوتر المزمن.. دائرة مغلقة
عندما يضعف جهاز المناعة ترتفع احتمالات الإصابة بالمرض. وبمجرد ظهور المرض يزداد القلق والتوتر، لتستمر الدائرة وتتعمق آثارها أكثر. لهذا يعمل العلماء اليوم على فهم العلاقة بين الدماغ والأمعاء والمناعة كشبكة مترابطة تتأثر كلٌّ منها بالأخرى.
كيف نكسر الحلقة؟
الدراسات تقترح مقاربة شمولية للحد من آثار التوتر المزمن عبر:
تحسين جودة النوم
ممارسة المشي أو التمارين بانتظام
تقنيات التنفس والاسترخاء
شبكات الدعم الاجتماعي
هذه الممارسات تساهم في خفض مؤشرات الالتهاب وإعادة التوازن للجهاز المناعي وفق ما تذكره المراجعات العلمية الحديثة.
التوتر المزمن ليس مجرد حالة نفسية عابرة. إنه عامل بيولوجي يغيّر جهاز المناعة ويزيد من هشاشة الجسد أمام الأمراض. الوعي بهذه الحقيقة خطوة أولى نحو حماية صحتنا، وتبني أسلوب حياة يضمن توازن النفس والجسد معًا.