أظهرت أبحاث علمية حديثة أن لاعبي كرة القدم الذين يعتمدون بشكل متكرر على ضرب الكرة بالرأس يواجهون خطراً أعلى للإصابة بأمراض دماغية تنكسية، مثل ألزهايمر وباركنسون ومرض العصبون الحركي، مقارنة بعامة الناس. خطر لا يظهر خلال سنوات اللعب، بل يتكشف غالباً بعد الاعتزال بوقت طويل.
معرفة طبية تعود إلى قرن
لم تكن العلاقة بين إصابات الرأس وأمراض الدماغ مجهولة في الطب. فمنذ عام 1928، وثّق أطباء حالات اضطراب عقلي وخرف لدى الملاكمين الذين تعرضوا لضربات متكررة على الرأس، وأُطلق على هذه الحالة لاحقاً اسم «الخرف الملاكماتي». غير أن الاعتقاد السائد آنذاك حصر المشكلة في رياضات القتال فقط.
كرة القدم تحت المجهر
تغير هذا الفهم مع تسجيل حالات إصابة ووفاة مبكرة بين لاعبي كرة القدم وكرة القدم الأميركية، بعد معاناة من تراجع معرفي وأعراض عصبية واضحة. فالفحوصات الدماغية أظهرت إصابتهم باعتلال الدماغ الرضحي المزمن، وهو مرض لا يظهر إلا لدى من لديهم تاريخ طويل من الصدمات المتكررة على الرأس.
نتائج دراسات واسعة
في دراسة شملت قرابة 8 آلاف لاعب كرة قدم محترف سابق في اسكتلندا، جرى تتبع سجلاتهم الصحية ومقارنتها بعينات من عامة السكان من الفئة العمرية نفسها. وأظهرت النتائج أن هؤلاء اللاعبين أكثر عرضة للإصابة بمرض ألزهايمر بخمس مرات، وبمرض العصبون الحركي بأربع مرات، وبمرض باركنسون بمرتين. كما ارتفعت احتمالات الوفاة بسبب أمراض عصبية تنكسية بشكل عام بمعدل يفوق المتوقع بثلاث مرات ونصف.
مركز اللعب عامل حاسم
أشارت الدراسة نفسها إلى أن الخطر يختلف حسب مركز اللعب. فالمدافعون، الذين يضربون الكرة بالرأس بوتيرة أعلى، كانوا الأكثر عرضة، في حين لم يظهر حراس المرمى خطراً إضافياً مقارنة بعامة الناس. كما تبيّن أن طول المسيرة الاحترافية يلعب دوراً مهماً، إذ يرتفع الخطر كلما زادت سنوات اللعب.
ماذا يحدث داخل الدماغ؟
عند ضرب الكرة بالرأس، لا تكون الإصابة عنيفة أو واضحة، لكنها تُحدث تغيراً مفاجئاً في سرعة الرأس، ما يؤدي إلى تحرك الدماغ داخل الجمجمة. هذا التحرك يضغط ويلوي الأنسجة العصبية الدقيقة، خصوصاً الألياف البيضاء المسؤولة عن نقل الإشارات العصبية. ومع التكرار، تتضرر هذه الشبكات، خاصة في المناطق القريبة من الجبهة، المرتبطة بالذاكرة والسلوك واتخاذ القرار.
لماذا لا يُصاب الجميع؟
لا يُصاب كل من يضرب الكرة بالرأس بمرض عصبي. فالعلماء يرجحون أن تطور المرض يتأثر بعدة عوامل، من بينها عدد الضربات، ومدة اللعب، والاستعداد الوراثي، ونمط الحياة. وفي بعض الحالات، قد تؤدي الصدمات المتكررة إلى التهاب مزمن أو خلل في الأوعية الدموية الدقيقة داخل الدماغ، ما يمهد لظهور المرض لاحقاً.
خطوات للحد من الخطر
دفعت هذه النتائج عدداً من الهيئات الرياضية إلى اتخاذ إجراءات وقائية، من بينها منع ضرب الكرة بالرأس في فئات الناشئين، وتقليص عدد التدريبات التي تعتمد على هذه التقنية. كما يعمل باحثون على تطوير معدات وتقنيات تقلل من قوة الصدمات على الرأس.
يتفق الباحثون على أن تقليل التعرض المتكرر لإصابات الرأس يظل الإجراء الأكثر فاعلية. فالمشكلة لا تكمن في ضربة واحدة، بل في آلاف الضربات الصغيرة التي تتراكم عبر السنوات، قبل أن تظهر آثارها على صحة الدماغ.