سلّطت دراسات علمية حديثة الضوء على التعرّض القصير للبرد، المعروف بالعلاج بالتبريد، باعتباره ممارسة تثير اهتمام الباحثين في مجال الصحة النفسية والذهنية. ويأتي هذا الاهتمام في ظل البحث عن وسائل داعمة غير دوائية تساعد على تحسين التركيز، رفع مستوى اليقظة، وتعزيز التوازن المزاجي.
مفهوم العلاج بالتبريد
يعتمد العلاج بالتبريد على تعريض الجسم لفترات وجيزة لدرجات حرارة منخفضة، سواء عبر الاستحمام بالماء البارد أو الغمر الجزئي في مياه باردة، وفق مدد زمنية محدودة. وقد استُخدم هذا الأسلوب في البداية لأغراض رياضية وتأهيلية، قبل أن يمتد الاهتمام به إلى تأثيراته المحتملة على الدماغ والصحة النفسية.
بحسب دراسة نُشرت في مجلة PLOS One، فإن جلسات العلاج بالتبريد القصيرة قد تسهم في زيادة اليقظة وتحسين الانتباه المستمر، إلى جانب إحداث تحسّن ملحوظ في المزاج والشعور بالطاقة لدى بعض المشاركين. واعتمدت الدراسة على مراجعة منهجية لعدد من الأبحاث التي تناولت استجابات الجسم والدماغ للتعرّض للبرد.
النورادرينالين واستجابة الدماغ
أظهرت نتائج الدراسة أن التعرّض للبرد يؤدي إلى ارتفاع إفراز النورادرينالين، وهو ناقل عصبي يرتبط مباشرة بتعزيز الانتباه وسرعة الاستجابة ورفع مستويات الطاقة. وتُعد هذه الزيادة جزءًا من الاستجابة الفيزيولوجية الطبيعية للجسم عند مواجهة درجات حرارة منخفضة، حيث يعمل الدماغ على تنشيط آليات التركيز والتنبيه.
انعكاسات على المزاج والتركيز
تشير المعطيات المتوفرة إلى أن بعض الأفراد أبلغوا عن تحسّن في الحالة المزاجية وانخفاض في الشعور بالتوتر عقب جلسات قصيرة من التعرّض للبرد. كما لوحظ تنشيط للشبكات العصبية المرتبطة بالتركيز والاستجابة الذهنية، ما قد يفسر الشعور باليقظة والنشاط الذي يلي هذه الممارسة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، تؤكد الدراسة أن التأثيرات ليست متطابقة لدى جميع الأشخاص، إذ تختلف النتائج بحسب مدة التعرض، شدة البرودة، والاختلافات الفردية في الحالة الصحية. كما شدّد الباحثون على أن العلاج بالتبريد لا يُعد علاجًا قائمًا بذاته، بل ممارسة داعمة يمكن إدراجها ضمن نمط حياة صحي.
بين الفائدة والاحتياط
يخلص الباحثون إلى أن العلاج بالتبريد قد يوفر فوائد مؤقتة تتعلق باليقظة والمزاج، شريطة ممارسته بحذر. ويُنصح الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، خاصة القلبية، باستشارة مختصين قبل اعتماده بشكل منتظم.
في المجمل، يبرز العلاج بالتبريد كأحد الاتجاهات البحثية الواعدة في مجال الصحة النفسية، غير أن نتائجه ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات العلمية لتحديد فعاليته وحدود استخدامه الآمن.