إفساح المجال أمام المرأة
في المغرب، تحظى رياضة الجولف بطابع أنثوي واضح: فالنساء يمثلن أكثر من ثلث ممارسي هذه الرياضة. حقيقة تقول الشيء الكثير وتلهم يوميا. منذ عدة سنوات، تواكب الجامعة الملكية المغربية للجولف هذا الزخم وتعمل على هيكلته، لتعزيز إمكانية الممارسة والتقدم، وتمنح فرص الظهور للاعبات من جميع المستويات. ويبقى الهدف هو إتاحة ملاعب الجولف بشكل أكبر، وجعل هذه الرياضة فضاء تؤكد فيه النساء وجودهن.
لكن هذا الطموح لم يأتِ من فراغ. فالتاريخ المغربي حافل منذ وقت مبكر بمؤشرات عن المساواة بين الجنسين والانفتاح. ففي سنة 1993، أسس جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني كأس للا مريم، في إشارة قوية أصبحت مرجعا واضحا ودليلا قاطعا على التزام راسخ، مفاده في أن الغولف النسائي من المستوى العالي في المغرب يحظى بالدعم منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود.
في هذا الإرث الغني، ومنذ وقت مبكر، جسدت المغفور لها صاحبة السمو الملكي الأميرة للا عائشة، التي كانت لاعبة جولف متميزة، والتي أسهمت بشكل كبير في تطوير الجولف النسائي الوطني، هذه المكانة الراسخة للمرأة في الرياضة وفي الفضاء العام.
تحت رئاسة صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، يحظى تطوير الجولف النسائي باهتمام خاص داخل الجامعة الملكية المغربية للجولف. ويُترجم هذا التوجه من خلال اعتماد حكامة جيدة في التدبير، إذ تم إحداث لجنة نشطة قائمة الذات، تعمل على تأطير هذا المجال ميدانيا وعلى امتداد التراب الوطني.
تنظم هذه اللجنة سنويا أكثر من عشر فعاليات تعريفية بالجولف، ومسابقات عبر مختلف جهات المملكة، من بينها البطولات الوطنية للسيدات، إضافة إلى موعد مرجعي بارز هو بطولة السيدات المفتوحة، وهي مسابقة متميزة مخصصة لأفضل اللاعبات المغربيات الهاويات.
في هذا السياق، يبرز معطى هام؛ فأزيد من ثلث لاعبي الجولف الحاصلين على رخص الممارسة في المغرب من النساء، وهو ما يمثل درجة عالية من مستوى المشاركة في هذه الرياضة.
مؤشر قوي آخر يتمثل في كون المسابقات الوطنية هي منافسات مختلطة. فمنافسات كأس العرش، على وجه الخصوص، تعرف مشاركة فرق تضم في صفوفها لاعبات ولاعبين. هذا الأسلوب غير الشائع على الصعيد العالمي، يجسد بشكل ملموس روح التنوع التي تميز النموذج المغربي.
في إطار هذا الزخم، تضطلع اللجنة النسائية بدور محوري في هذه الحركة. فهي بمثابة حلقة الوصل بين الإرث والممارسات المعاصرة، وتحول النوايا إلى مبادرات ملموسة على أرض الواقع. إنه مسار استراتيجي ثابت ومتواصل، قائم على تلقين مبادئ اللعبة من خلال التعريف بالممارسة، والمنافسة، ومواكبة المسارات. وفي هذا السياق، تتجسد الرؤية التي تحملها الجامعة الملكية المغربية للجولف أيضا في قناعة راسخة، وهو ما تعبر عنه بوضوح رئيسة اللجنة النسائية.
” يحظى الجولف بقوة فريدة؛ فهو يمتلك القدرة على أن يجمع حوله ممارسيه، وأن يبعث شعورا بالطمأنينة، وأن ينمي لديهم الثقة بالنفس والصبر والاحترام. نرغب في أن تشعر المزيد من السيدات بأن مكانهن في هذه الرياضة أمر طبيعي. تحت رئاسة صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، تضاعف الجامعة الملكية المغربية للجولف مبادرات تلقين مبادئ اللعب، وتنظم مسابقات خاصة في مختلف جهات المملكة لفتح آفاق جديدة، وإطلاق شرارات الانطلاق، وتحرير الطاقات”، تصرح رجاء الحسناوي، رئيسة اللجنة النسوية في الجامعة الملكية المغربية للجولف.
ثم تضيف قائلة: “لقد عرف الجولف النسائي في المغرب تطورا ملحوظا. هذا التغيير نلمسه بشكل واضح، وهو ما يتجلى من خلال تنظيم مزيد من المسابقات، ووجود قاعدة ممارسة أوسع، والأهم من ذلك، بروز جيل جديد قادم بقوة، ينبض بالطموح والمثابرة. هذا الزخم هو ثمرة رؤية منظمة ومستدامة للجامعة، تتيح سبل الولوج، وتمهد الطريق للتطور، وترسخ مكانة الجولف النسائي كجزء لا يتجزأ من الحياة الرياضية على امتداد التراب الوطني”.
تجسد هذه الكلمات جوهر هذه الدينامية. فهي تعبر عما ينقله الجولف من قيم، وما تسعى الجامعة الملكية المغربية للجولف إلى تعزيزه: ممارسة منفتحة على الجميع، تنظيم للرياضة يضع معالم واضحة، وفضاء يتيح إمكانية التطور لكل ممارسة وفق إيقاعها الخاص.
ويبقى الرهان نفسه في كل جهة من جهات المملكة: توسيع إمكانية الولوج، إرساء مواعيد منتظمة للمسابقات، وإحداث شرارات البداية التي تتحول إلى مسارات متكاملة.
تتجسد هذه الدينامية على أرض الواقع في خطوات عملية وملموسة، تتمثل في منح إمكانية اكتشاف الرياضة، وتحفيز الرغبة في ممارستها، وتقديم الدعم والمواكبة، وتكثيف حصص التعريف بأساسيات اللعب، وتنظيم مسابقات مخصصة للسيدات، وإرساء مسارات للتطور. ومواعيد راسخة تتكرر باستمرار، إلى أن يصبح الولوج أكثر سلاسة، وأن تترسخ الممارسة على المدى الطويل في مختلف أنحاء المغرب.
وعندما تتسع دائرة الممارسة، يتغير المشهد: مزيد من المسابقات وانتظام أكبر للمواعيد. جيل جديد يبرز، يرسخ حضوره، ويتقدم بثبات. هكذا يأخذ الجولف النسائي مكانته، بخط واضح المعالم: الانفتاح، والتنظيم، وتمكين كل سيدة من التقدم وفقا لطريقتها الخاصة.
مها الحديوي:

تنتمي مها حدوي إلى فئة نادرة من الرياضيين الذين يعتبر الزمن بالنسبة لهم امتيازا. ذلك أن أزيد من ثلاثة عشر عاما في أعلى مستويات الأداء لم تنل من طموحها، بل زادته قوة وتألقا. وإذا كانت مسيرتها الرياضية تتحدث عن العديد من سنوات الممارسة، فإنها أيضا، وقبل كل شيء، تتحدث عن التطور المستمر، تطور لاعبة تواصل تسلق الدرجات، والتكيف مع الأوضاع، وتقديم أفضل أداء، موسما بعد موسم.
“بعد أزيد من ثلاثة عشر عاما في الدوري الرئيسي، أعتبر نفسي، قبل كل شيء، لاعبة من المستوى العالي، مازلت ملتزمة تمام الالتزام في مسيرتي. ولا يزال الهدف الذي وضعته لنفسي هو نفس الهدف: تقديم أفضل أداء. أملك المؤهلات الضرورية لتحقيق ذلك، وأعمل بجد لبلوغ هذه الغاية، ونتائجي الحالية تثبت ذلك.”
في مسيرة رياضية بنيت على طول الأمد، تتحدث الأرقام عن ذلك بكل وضوح. فقد شاركت مها في أزيد من 200 بطولة منذ ظهورها الأول في الدوري الأوربي للسيدات سنة 2013. خلف هذا الكم الهائل من البطولات يكمن واقع يومي تغمره الأسفار، والتداريب المتواصلة، والتعديلات المُستمرة، والمتطلبات البدنية والذهنية. تتحدث عن الأمر بدقة تشبه إلى حد كبير أداءها الرياضي: بدون تصريحات مبالغ فيها، بل بمنهجية عمل واضحة.
“عندما تنخرط في العمل لفترة طويلة، لا بد أنك ستمر بفترات عصيبة، ومحطات صعبة، ومراحل يعمها الشك، وتحديات قوية. ما يشجع على الاستمرار والعمل الجاد، موسما بعد موسم، هو المثابرة، والانضباط، وأخلاقيات العمل، والتفاني.”
هنا تُصبح الخبرة عاملا محفزا. فكلما تقدمت مسيرتها، كلما صارت قراءتها للعب أكثر دقة، وازدادت مهارتها في إدارة اللحظات الحاسمة، وأصبحت أكثر نضجا كرياضية. هذا الأمر تؤكده مها بوضوح عندما تقول إنها تشعر بأنها في قمة تركيزها، وأن عملها الدؤوب تعكسه لاعبة تواصل تطوير أدائها.
“ما يحفزني اليوم ليس مجرد الاستمتاع بالعب، بل الاستمتاع وتحدي الذات. إنه إدراكي بأنني ما زلت أولي عناية كبرى، وأنني ألعب بشكل جيد، وأنني قادرة على الأداء على أعلى مستوى.”
من بين اللحظات الفارقة في مسيرتها الرياضية، تحتل الألعاب الأولمبية مكانة خاصة. هنا أيضا، تتجاوز الأمر مجرد سرد الحكاية ليتحدث عن وقع هذه الإنجازات في نفس أي رياضية: الزخم، وقوة العزيمة، وذكريات خالدة من المشاعر.
“كانت المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية لحظة مؤثرة للغاية في مسيرتي. فهي بالنسبة لأي رياضي تجربة فارقة تبني شخصيته. لا تزال الحفرة التي حققتها هناك بضربة مباشرة ذكرى رائعة. لكن الأهم من تلك اللحظة، هي التجارب التي عشتها، والمشاعر القوية، والرحلة التي قطعتها، كل ذلك أضفى قيمة حقيقية على مسيرتي الرياضية.”
في رياضة نسائية، يتردد صدى الحكاية بشكل مختلف، فهي تجسد مسارا يمكن تحقيقه، مسارا مستداما مليئا بالتحديات وملهما بالوقائع. في الوقت الذي يكتسب فيه الجولف النسائي مزيدا من الشهرة وتتحسن فيه مهارات اللاعبات، لا تقدم مها نفسها كمعلقة رياضية، بل تضطلع بدور المثل والقدوة التي يحتذى بها، والذي يستند إلى قيم راسخة.
أتمنى بصدق أن أكون ممن يلهمن الأخريات، ويسهمن في الدفع بهن إلى الأعلى، ليس بالكلمات والخطب، بل بأن أكون قدوة لهن من خلال المثابرة والانضباط والأخلاق والالتزام بالعمل الجاد والقيم التي أدافع عنها في الرياضة”.
تتطلع كذلك إلى الجيل القادم فتعمل على تشجيعه، فهي سعيدة برؤية شابات مغربيات يحققن التقدم، كما تأمل أن تراهن عليهن قريبا وقد بلغن أعلى المستويات.
“إنه لأمر مشجع وإيجابي. إذا كان مساري ملهما للاعبات الشابات، وأن يظهر لهن أن كل شيء ممكن بالعمل الجاد والصرامة والمثابرة، سيكون ذلك مصدر سعادة حقيقية بالنسبة لي.”
أما المستقبل، فهي لا تحصره في تصور محدد مسبقا. بعد أن قدمت أداء متميزا في فبراير في بطولة صندوق الاستثمارات العامة السعودية للسيدات، إحدى أهم بطولات الدوري الأوربي للسيدات، تبقى أولويتها هي الحاضر الذي يتجلى من خلال الأداء الجيد والتداريب والحضور في الملعب بنفس الحماس وبطموح راسخ.
” بالنسبة للمستقبل، فأنا لا أعرف ماذا يخبئ لي الغد. كل ما أعرفه هو أنني ما زال لدي طموح كبير. أنا أركز على الحاضر، على مسيرتي وأدائي. أما المشاريع المستقبلية فستأتي في حينها. اليوم، أنا ملتزمة تماما بما أقوم به على أرضية الملعب. أعشق هذه الرياضة، وأعشق وطني، وأنا حريصة على مواصلة تمثيلهما بكل فخر”
إيناس لقلالش

في مدينة الدار البيضاء، اكتشفت إيناس لقلالش رياضة الجولف سنة 2008. وسرعان ما أصبح اللعب جزءا لا يتجزأ من حياتها، ثم تخصصا رياضيا له معاييره ومتطلباته ولغته الخاصة. انضمت بعد ذلك إلى المنتخب الوطني، وظلت في الوقت نفسه تبني مشوارا في رياضة الجولف للهواة، تم ذلك خطوة بخطوة، وهو ما قادها إلى المشاركة في بطولات دولية كبرى.
كانت سنوات حضورها في فئة الهواة فترة مكثفة بالممارسة. شاركت في بطولات عدة، وتلاحقت أسفارها، وتطورت مهاراتها، وأخذت على عاتقها مسؤولية تمثيل الوطن. فشاركت في بطولة العالم للهواة، قبل أن تحرز ألقابا مهمة على الصعيدين العربي والوطني.
ثم حان وقت الاختيار. بعد حصولها على شهادة الباكالوريا، سافرت للدراسة واللعب في الولايات المتحدة الأمريكية، في جامعة ويك فورست. تجربة كانت لها أهميتها في تكوين شخصيتها، لكنها لم تكن خالية من متطلبات وصعوبات. في هذه اللحظة، كادت أن تتوقف عن اللعب، وتؤجل مسارها في مجال رياضة الجولف، وتتراجع خطوة إلى الوراء.
لم تقطع هذه الخطوة إلى الوراء علاقتها باللعبة، بل زادت في تعزيزها. في لندن، واصلت دراستها في جامعة كوليدج لندن، وتخصصت في علوم التدبير، إلى أن حصلت على شهادتها الجامعية. ظلت رياضة الجولف حاضرة في ذهنها كفكرة لم تتبدد، إل أن انتهى الأمر بعودتها للصفوف الأولى من جديد.
عندما أضحى القرار واضحا في ذهنها، كرست نفسها له بشكل كامل. في نهاية سنة 2021، التحقت بمدرسة التأهيل، لتستعيد إيقاع المواسم المتعاقبة، والبطولات التي لا ترحم حين الوقوع في الخطأ، والأسابيع التي يتم فيها كل شيء على إيقاع مرتفع.
“أهدافي هذا الأسبوع، وللموسم بأكمله، هي التعلم في كل يوم.”
في سنة 2022، أخذت الأمور إيقاعا سريعا. في الخريف، فازت ببطولة لاكوست المفتوحة للسيدات في فرنسا، لتصبح أول لاعبة جولف مغربية وعربية وشمال إفريقية تفوز ببطولة من بطولات الدوري الأوربي للسيدات. إنجاز مهم غير النظرة إليها، لكنه لم يغير طريقة حديثها عن إنجازاتها.
” أشعر بفخر كبير بهذا اللقب، وبفرصة تمثيل المغرب.”
بعد ذلك، انضمت إلى دوري رابطة لاعبات الجولف المحترفات. أصبحت 2023 سنة انتقالية بالنسبة لها، بإيقاع عالٍ من المسابقات، وملاعب مختلفة، وأسلوب حياة مختلف. تعاملت إيناس مع هذا الوضع كضرورة حتمية، دون محاولة إيجاد الأعذار، فكان تركيزها بالدرجة الأولى على ضرورة التأقلم، وتخصيص الوقت، والعمل الجاد.
“إنها فترة ضرورية للتأقلم”.
في 24 يونيو 2024، أعلنت الجامعة الملكية المغربية للجولف تأهلها للألعاب الأولمبية في باريس. كانت هذه المشاركة الثالثة على التوالي للجولف المغربي في دورة الألعاب الأولمبية. شكل ذلك بالنسبة لها، خطوة جديدة في مسيرة تربط الطفولة بالنخبة، مع الحرص على الإبقاء على العلاقة.
في شهر ماي من سنة 2026، ستعود إيناس إلى نادي الجولف الملكي دار السلام بهدف واضح: وضع أسس متينة لإيقاع جيد، وتطوير الأداء، ومنح النفس فرصة التقدم إلى الأمام. فالطموح كما تقول نفسها ليس خفيا، بل معلن بوضوح.
“الهدف، كما هو الحال في كل أسبوع من المنافسة، هو تحقيق الفوز”.
في هذا المسار، تتكامل جميع العناصر: التعلم، وفترات الراحة، والعودة، والانتصار، والتأقلم، ثم الرهان الأولمبي. وفي النهاية، نفس المسار، دون مبالغة، مسار لاعبة تتقدم إلى لأمام، تمثل المغرب بكل فخر واعتزاز، تاركة إنجازاتها تتحدث عنها.
لينا بلماتي

في رياضة الجولف، هناك لحظات تبقى راسخة في الذاكرة. ليس فقط لأنها تنعكس في بطاقة النتائج أو في سجل الإنجازات، بل لأنها تغير مسار التقدم والمضي إلى الأمام. بالنسبة للينا بلماتي، يحمل التنافس الدولي طابعا خاصا؛ ففي كل بطولة، يتجدد نفس الإصرار، مع وعي واضح بأنها تمثل بلدها، وهو ما يتجاوز حدود الملعب.
حكايتها حافلة بالمحطات البارزة. مسيرة لاعبة هاوية مليئة بالإنجازات المميزة، منها اجتيازها المرحلة الإقصائية لكأس للا مريم، والمشاركة في بطولة العالم للهواة، والفوز في الجائزة الكبرى لمدينة باو. لحظات تروي حكاية تطور يتحقق بثبات ووضوح.
لكن عندما تتحدث لينا عن الانتقال الذي ترك بصمة حقيقية في حياتها، فإنها تغير زاوية النظر. فهي لا تتوقف عند محطة خلفت ذكرى واحدة، بل تتحدث عن نقطة تحول.
” أكثر ما ترك أثرا في نفسي هو الانتقال إلى الحياة الواقعية للاعبة جولف محترفة: العمل الدؤوب لأسابيع متوالية، وإدارة التعب، والتوقعات، والشكوك… والاستمرار في التقدم.”
تعبر هذه الجملة عن فهمها العميق للمستوى العالي. فالجولف الاحترافي ليس مجرد سلسلة من المسابقات التي تتحقق فيها نتائج جيدة، بل هو موسم يُبنى على المدى الطويل، وعملية ترتكز على التكرار والانضباط والقدرة على ضبط النفس. تعبر لينا عن ذلك بدقة متناهية: “هناك أسابيع تحمل نتائج جيدة، وأخرى محبطة للغاية”. لقد مرت لينا بفترات عصيبة، وتعرضت لإصابات، وانتابها الشك في بعض اللحظات في قدراتها الذاتية. وهي تقر، مع مرور الوقت، بأن هذه التجارب كانت حاسمة في بناء شخصيتها وتطورها.
وفي هذه الرحلة الطويلة، يبقى الدرس الأهم بسيطا في صياغته، لكن تطبيقه ينطوي على بعض الصعوبة: الاستمرارية. في رأيها، لا يقتصر المستوى العالي على الأداء الجيد فحسب، بل يتطلب أيضا القدرة على التحمل، وعلى مواصلة التقدم عندما ينال الإرهاق من الجسد، وعندما يتشتت الذهن، وتصبح الانتظارات حاضرة بقوة. وتضيف قائلة إن هذا الأساس هو الذي يمهد الطريق لتحقيق النتائج الجيدة، ثم للفوز بالألقاب.
تمضي لينا قدما بطموح هادئ، من دون أن تروي لنفسها حكاية ثابتة. فهي تريد أن تتقدم خطوة بخطوة، وأن ترسخ مكانتها في دوري الدرجة الأولى الأوربي. وهي تدرك جيدا أن أمامها مجالا للتطور، وهذا بالتحديد ما يحفزها.
هدفها اليوم هو نفس هدف أي لاعبة تسعى إلى تحقيق الثبات في الأداء، أن تصبح أكثر قوة ذهنيا وبدنيا، وأن تحسن تدبير موسمها في مختلف جوانبه بشكل أفضل.
على المدى القريب، ستشارك الموسم القادم في سلسلة الإقصائيات للدوري الأوربي للسيدات، واضعة نصب عينيها هدفا واضحا: تحقيق مراكز ضمن العشرة الأوائل في عدة مسابقات، والفوز بإحدى البطولات.
هذه ليست مجرد صيغة عادية، بل هي خارطة طريق. إنها وسيلة تترجم الطموح إلى أهداف ملموسة، وتذكر الجميع بأن التقدم في هذه الرياضة بقدر ما يقاس بالثبات في الأداء، فإنه يقاس أيضا بالتألق في يوم أحد رائع.
تتقاسم لينا هذه الرؤية مع اللاعبات الأخريات أيضا. وهي تتوجه برسالة واضحة إلى النساء والفتيات المغربيات اللواتي يتابعنها: لا تضعن لأنفسكن قيودا تكبح طموحكن. تتحدث عن الشكوك الموجودة، وعن الفترات التي يبدو فيها كل شيء صعبا. وتذكرنا بأن الطريق ليس سهلا، بل نواجه فيه فترات صعود وفترات هبوط، ومراجعات للذات، وأن لكل خطوة مغزى.
“العمل الجاد والصبر والمثابرة تؤتي ثمارها في النهاية، حتى وإن لم يظهر ذلك على الفور.”
تنطوي كلماتها على دعوة صريحة من أجل التحلي بالجرأة، والخروج من منطقة الراحة، والتقدم بالوتيرة التي تناسب كل لاعبة، وبعدم السماح لأي أحد بوضع حدود لطموحك.
ليست هذه رسالة مجردة، بل هي امتداد لما تعلمته على ملاعب الجولف: فالمهم ليس هو تجنب الصعاب، بل الاستمرار في البناء بالرغم من الإكراهات التي تفرضها.
كما أن هناك بعدا آخر يصاحب كل ضربة بداية، وكل حفرة من حفر الملعب، وكل أسبوع من المنافسات: تمثيل المغرب. تتحدث لينا عن ذلك بفخر واعتزاز كبيرين، وبشعور قوي بالمسؤولية. في رياضة فردية، يكتسب كل إنجاز صدى خاصا عندما نعلم أننا نمثل بلدنا ونحمل ألوان علمنا عاليا.
يمنحها هذا الأمر حافزا إضافيا، وطاقة متجددة، كما يزيد من مستوى الشعور برفع التحدي. تتحدث عن وعيها بالأثر الذي يتركه ذلك في نفسها، وعن اختيارها الدائم في الحفاظ على مستواها، من خلال بذل قصارى جهدها داخل الملعب وخارجه.
هكذا، تمضي لينا بلماتي قدما واضعة نصب عينيها تحقيق هدف واضح: التقدم، وترسيخ مكانتها، والاستمرارية. وفي هذا المجال، الذي يقاس فيه اللاعب بنفسه بقدر ما يقاس بتحديات الملعب، فإنها تحمل فكرة بسيطة تشبه مسارها الشخصي: تتحقق النتائج عندما يصبح الثبات راسخا، وعندما يتقبل المرء أن المسار هو جزء من الإنجاز الجيد.
ملاك بورعدة

بدأ كل شيء بمشهد تحب عائلتها أن ترويه. في ملعب للجولف بولاية ميسوري، لم تكن ملاك قد بلغت بعد السن الذي تمكنها من أن تتذكر ما حدث. لكنها حسب روايتهم، كانت تدرك ما هو أساسي: الكرة، الحفرة، حركة بسيطة، كأن ذلك كله أمر بديهي بالنسبة لها.
نشأت ملاك بين إرثين ثقافيين متداخلين؛ فوالدها مغربي جاء إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الدراسة والرياضة. ووالدتها أمريكية، تعمل مدرسة، ولا تزال كلماتها عنها تنبض بالقوة حين تتحدث عنها. توفيت والدتها سنة 2011، بعد صراع مع مرض كرون. غياب مؤثر وصامت كان له عظيم الأثر، فقد أعاد تشكيل طفولتها وسرَّع اتخاذها لقرارات مهمة.
بعد وفاة والدتها، غادرت ملاك ميسوري في اتجاه تكساس، على أمل تعجيل مسيرتها قبل الالتحاق بالجامعة، وتحديد طموحها مبكرا. لم يعد الجولف بالنسبة لها مجرد لعبة، بل أضحى غاية يجب إدراكها. في الخامسة عشرة من عمرها، التحقت بجامعة كولورادو بمنحة دراسية. لتدخل عالما متطلبا، يغمره إيقاع روتيني صارم، وتكرار، والعديد من التفاصيل الدقيقة. تعلمت كيف تحافظ على نهج ثابت، وأن تبقى مستقرة.
في سنة 2019، تعززت مسيرتها بعامل مهم: بلدها المغرب. تواصلت مع الجامعة الملكية المغربية للجولف، وقررت رسم معالم مسارها من خلال وطنها. خيار تبنته عن قناعة راسخة.
يمثل شهر ماي 2022 نقطة تحول مهمة في مسيرة ملاك بوريدا. فقد انتزعت مشاركتها في بطولة الولايات المتحدة الأمريكية المفتوحة للسيدات، وهو إنجاز تاريخي غير مسبوق للاعبة مغربية. لم تعتبر ذلك نتيجة في حد ذاتها، بل تأكيد على ما بذلته من جهد.
” كان ذلك بمثابة حلم تحقق. شرف عظيم بالنسبة لي أن أرى العلم المغربي يرفرف عاليا في بطولة الولايات المتحدة الأمريكية المفتوحة، وأن أكون أول مشاركة مغربية. كانت تجربة رائعة بكل المقاييس، ولم أكن لاستبدل ذلك مقابل أي شيء في العالم. لقد ساعدتني هذه المشاركة على إرساء مسيرتي وتحديد أهدافي. آمل، بإذن الله، أن أعود يوما ما للمشاركة في هذه البطولة وأن أحقق نتيجة أفضل.”
عندما أصبحت في معظم أوقاتها مستقرة في المغرب، شعرت بتغير كبير، يكاد يكون تحسنا جسديا. “في المغرب، أشعر بأنني أكثر هدوءً، أقل توترا، كما أنعم براحة أكثر.” حفرة بعد حفرة، دون أن تتسرع. تحكي عن بيئة تساعدها على التنفس بشكل أفضل، وعن طريقة مختلفة في التعامل مع الأداء، بتوتر أقل، وبوضوح أكبر.
تمثيل المنتخب الوطني بالنسبة لها ليس أمرا عاديا، بل يمنحها قيمة عالية، وينطوي على شرف عظيم بالنسبة لها. فكلما رفع العلم الوطني في الساحة الدولية، شعر بفخر عميق.
“الانضمام إلى المنتخب المغربي هو مصدر فخر كبير. ما كان ليتحقق كل هذا الزخم لولا جهود الجامعة، التي أتقدم لها بجزيل الشكر على الثقة التي وضعتها في شخصي وفي أحلامي.”
عاشت ملاك خلال الموسمين الماضيين صعوبات كبيرة، وإصابات، ونكسات، لكنها لا تتحدث عن الفشل، بل عن مسار طويل، عن خطة عمل ثابتة لم تتزعزع يوما عن الخط الذي رسمته لها.
“أتمنى أن تكون هذه السنة رائعة، بدون إصابات، سنة تعمها الأهداف الطموحة، والمزيد من الفرص لتمثيل بلدي دوليا. ما أسعى إليه وما أتمناه دائما هو تحقيق الانتصارات “.
بالنسبة لملاك، هناك قناعة واحدة تفرض نفسها؛ أن تحيط نفسها بالأشخاص المناسبين، أن تنظم عملها، وألا تتوقف عن التعلم. فكل شيء بالنسبة لها يتوقف على الانضباط اليومي، والتحضير الصارم، والقوة الذهنية، وهي تفاصيل دقيقة تحدد مصير الموسم.
أما البقية فتسير على نفس المنوال: التقدم في المنافسات، والسعي للمشاركة في البطولات، والبقاء ضمن صفوف المنتخب الوطني، والحفاظ على التركيز، دون حرق المراحل.
مونية أمالو

عندما أصبحت مونية أمالو لاعبة جولف محترفة سنة 1997، كان الجولف النسائي المغربي لا يزال في بداياته. قبل ذلك بسنوات قليلة، وتحديدا في سنة 1993، كان لإحداث كأس للا مريم من قبل المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني زخم كبير، مما أعطى دفعة حاسمة لهذه الرياضة. كانت تلك لحظة فارقة، حيث لم تتضح بعد ملامح كل شيء، وحيث بدأت مسارات تشق طريقها بطموح كبير.
في خضم هذه الدينامية، وُلدت المسيرة الرياضة لمونية، كان لها هدف واضح: تحقيق التقدم، والعمل بجدية، بلا ارتجال، بل بمنهجية واضحة، وقبل كل ذلك، بعزيمة راسخة وهادئة، وهي الصفات التي غالبا ما نجدها لدى المثابرين في العمل.
“كان انتقالي للاحتراف خيارا مدروسا بعناية. أردت أن أُكرس نفسي بالكامل لالتزامي الرياضي، وأن أختبر قدراتي على أعلى مستوى. شاركت في العديد من البطولات الدولية، ولا سيما في الدوري الأوربي للسيدات، الذي أنا عضوة فيه. كانت هذه التجارب حاسمة في صقل شخصيتي.”
ما يميز مسيرتها أيضا هو توازنها. الرياضة، نعم، ولكن ليس على حساب أمور أخرى. وضعت مونية أمالو أسس قاعدة متينة بموازاة كل ذلك، وكان لذلك أثر واضح على طريقة تعاملها مع المستوى الرفيع.
“لدي تكوين أكاديمي في مجال المعلوميات. علمتني هذه الخلفية الانضباط والاستقلالية. كامرأة، لا بد من امتلاك أسس متينة وإيمان راسخ بقدراتها الذاتية”.
الفهم، والتعمق، والإتقان: هذا منطق لا يقتصر على اللعب فقط. فهي تهتم بالجولف بكل أبعاده، وكل تفصيل له أهميته وإسهامه في تحقيق التقدم.
تضيف قائلة: “حصلت على شهادة تحكيم جامعية لأنني أردت فهم الجولف بكل أبعاده. وقد أتاح لي ذلك رؤية أشمل وأكثر نضجا لهذه الرياضة”.
اليوم، يتخذ هذا الالتزام صيغة أخرى من خلال مشاركتها في جمعية جائزة الحسن الثاني للجولف، حيث تشغل منصب المديرة الرياضية، وهو في الواقع تطور طبيعي، واستمرار لمسيرة تزداد توسعا، وتمكنها من العمل بشكل مختلف، لكن دائما في خدمة نفس الرياضة.
“إن المشاركة في جائزة الحسن الثاني وكأس للا مريم تضفي بعدا جديدا على مسيرتي. أشعر بأنني في مكاني المناسب. إن المشاركة في هذه المواعيد الهامة تجعلني مرتبطة بعمق بحكايتي مع رياضة الجولف.”
من خلال أسلوب حديثها عن رياضة الجولف المغربي، يظهر فخر واضح بعيد عن الخطابات الرنانة. شعور بالرضا لرؤية الأمور تأخذ منحى التطور، وتصبح أكثر تنظيما وانفتاحا.
“إن الإسهام في تطوير الجولف الوطني يعد مصدر فخر بالنسبة لي. إن معاينة التقدم الذي يتحقق، والجودة في التنظيم، والانفتاح الحاصل أمر مشجع. أثمن جهود الجامعة لجعل هذه الرياضة متاحة بشكل أكبر وأكثر تنظيما.”
حكاية مونية هي بمثابة تأكيد على الشرعية، والانضباط، والاستمرارية.
“علمتني رياضة الجولف أن أتقدم للأمام، وأن أثبت نفسي، وألا ينتابني الشك في شرعيتي. كونك امرأة في هذه الرياضة يعني السعي وراء طموحك بهدوء وعزيمة.”
بالنسبة لها، تترجم الطاقة إلى دقة والتزام ووفاء لمسار. مسار راسخ في الخبرة، يتجه نحو المستقبل.
امرأة تنبض بالحياة.
حضور مؤكد.
والتزام راسخ لخدمة الجولف المغربي.
آن أوان اللعب
لقد شهد تدوين هذه الصفحات لحظات مليئة بالإثارة والانسيابية، بصمتٍ متأمل، وأنفاسٍ عميقة تسبق الانطلاقة. استعرضنا خلالها مسارات كرات وحيوات، وتابعنا نساءً يوجهن ضرباتهن، يشككن في أدائهن، يعدن الكرة، يحققن الانتصار… أحيانًا على أنفسهن.
لكن، وقبل كل شيء، كانت هناك حكايات. ليست تلك التي يتم اختصارها في إنجازات أو أرقام. بل حكايات متكاملة، يصبح فيها الجولف مجرّد ذريعة ومحفز وكاشف للذات. قصص لا تتمحور فقط حول الرياضة، بل حول المكانة داخل النادي، ضمن الفريق، في الفضاء العام، وفي صلب المجتمع ككل.
لم يكن الجوهر يوما ما هو رياضة الجولف في حد ذاتها، بل الأمر أعمق من ذلك وأشمل بكثير: الجرأة على التواجد في أماكن لم يكن من متوقعا أن نتواجد فيها. تخصيص وقتٍ للنفس. الحضور بثبات وهدوء في فضاء معين. والأهم من ذلك كله، التعبير، بدون صخب، عن إمكانية أن تكون المرأة قوية ومركزة، هشة وأنيقة، صبورة ومثابرة. صفات ليست متناقضة، بل مترابطة فيما بينها يكمل بعضها الآخر.
اليوم، لم يعد مشهد جولف السيدات في المغرب أرضا قاحلة. بل هو في طور التشكل، آخذا في التوسع، ينظم نفسه، وينفتح على آفاق جديدة. لم يعد الهدف هو إثبات شيء ما. بل أصبحت الغاية هي الوجود والحضور واللعب. اللعب بكل بساطة.
لكل من لا زالت تتردد أو تعتقد بأن هذه الرياضة “ليست لها”، نقول: لم يكن الجولف يوما ملكا لأحد. إنه متواجد. ينتظر. والفرصة اليوم متاحة أمامك.