أثار فيروس هانتا خلال الأيام الأخيرة موجة من القلق، خاصة بعد تسجيل حالات إصابة ووفيات على متن سفينة سياحية، بسبب سلالة نادرة تعرف بقدرتها المحدودة على الانتقال بين البشر. ورغم خطورة المرض وارتفاع معدل الوفيات المرتبط به، يؤكد الخبراء أن احتمال تحوله إلى جائحة عالمية ما يزال ضعيفاً للغاية.
وأوضح الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، أن عناصر الطمأنة لا تزال أكبر من عناصر القلق، رغم أن السلالة المكتشفة في هذه البؤرة الوبائية تعتبر الوحيدة تقريبا من بين 38 سلالة معروفة القادرة على الانتقال من شخص إلى آخر عبر الرذاذ التنفسي.
وينتمي فيروس هانتا إلى فصيلة “Hantaviridae”، ويعتبر القوارض، خصوصا الفئران والجرذان، الخزان الطبيعي له. وتحدث العدوى غالبا نتيجة استنشاق رذاذ ملوث بفضلات القوارض أو ملامسة أسطح ملوثة عبر جروح الجلد، ونادراً ما تنتقل العدوى عبر العض.
أما انتقال الفيروس بين البشر، فيظل محدودا جدا ويكاد يكون منعدما، باستثناء “سلالة الأنديز”، وهي السلالة التي تم تشخيصها في حالات الرحلة البحرية الأخيرة. ورغم أن هذا الأمر يثير القلق داخل البيئات المغلقة والمكتظة، مثل السفن السياحية ذات التهوية المشتركة، إلا أن الخبراء يرون أن خطر انتشاره عالمياً ما يزال هامشيا، ما لم يطرأ تطور جيني أو طفرات مستقبلية تسهل انتقاله بين الأشخاص.
وفي العادة، ترتبط الإصابات المسجلة على متن السفن السياحية ببؤر بيئية ناتجة عن وجود قوارض في المخازن أو الأماكن المغلقة، وليس بسبب انتقال متسلسل للعدوى بين الركاب. لكن في الحالة الحالية، تم تسجيل 7 إصابات، بينها حالتان مؤكدتان و5 حالات مشتبه بها، إضافة إلى 3 وفيات وحالة حرجة، فيما وصفت الحالات الأخرى بالعادية. ولا تزال التحقيقات جارية لتحديد ما إذا كان الانتقال قد حدث بين البشر على متن السفينة أم أن مصدر العدوى يعود إلى إحدى محطات توقف الرحلة.
وتبدأ أعراض فيروس هانتا عادة بحمى شديدة وآلام عضلية حادة، خصوصاً في الظهر والفخذين، مع صداع وإرهاق عام، قبل أن تتطور في بعض الحالات إلى ضيق تنفس حاد فيما يعرف بـ”متلازمة هانتا الرئوية”، أو إلى فشل كلوي حاد في بعض السلالات الأخرى.
ويصنف الفيروس ضمن الأمراض الخطرة، إذ قد تصل نسبة الوفيات إلى حوالي 50 في المائة من إجمالي الإصابات، غير أن محدودية انتقاله بين البشر تقلل بشكل كبير من خطر تحوله إلى وباء واسع الانتشار.
ولا يوجد حتى الآن أي لقاح مرخص عالميا ضد فيروس هانتا، كما لا يتوفر علاج مضاد خاص به، إذ يعتمد التدخل الطبي أساسا على دعم وظائف الرئتين والكليتين داخل أقسام العناية المركزة.
ويشدد المختصون على أهمية الوقاية الشخصية، خصوصا عند تنظيف الأماكن المغلقة أو المهجورة التي قد تحتوي على فضلات القوارض. وينصح بتجنب كنس الفضلات وهي جافة حتى لا يتطاير الفيروس في الهواء، مع اعتماد التنظيف الرطب باستخدام المطهرات مثل الكلور، إضافة إلى تهوية الأماكن جيدا واستعمال القفازات ووسائل الحماية المناسبة.
وعلى مستوى المغرب، أكد الدكتور الطيب حمضي أن المنظومة الصحية الوطنية تتوفر على نظام لليقظة والرصد الوبائي، إلى جانب مختبرات مرجعية قادرة على تشخيص الحالات الوافدة والتعامل معها وفق البروتوكولات الصحية المعتمدة.
ويعود تاريخ التعرف على فيروس هانتا إلى سنة 1976، حين تمكن العالم “هو وانغ لي” من عزله لأول مرة قرب نهر “هانتان” بكوريا الجنوبية، الذي اشتق منه اسم الفيروس. غير أن الاهتمام العالمي به تزايد سنة 1993 بعد تفشي “متلازمة هانتا الرئوية” بمنطقة “الفور كورنرز” في الولايات المتحدة.
وتسجل سنويا نحو 150 ألف إصابة بفيروس هانتا حول العالم، تتركز أغلبها في شرق آسيا، خاصة في الصين، بينما تسجل الأميركيتان حوالي 200 حالة سنويا مرتبطة بشكل أساسي بمتلازمة هانتا الرئوية.
ويرى خبراء الصحة أن التغيرات المناخية وتدمير البيئة الطبيعية يسهمان بشكل متزايد في اضطراب مواطن القوارض، ما يزيد من احتمالات ظهور بؤر جديدة للفيروس مستقبلا، وهو ما يستدعي استمرار اليقظة الصحية عالميا.