يعاني كثير من الأشخاص من تكرار أنماط العلاقات العاطفية نفسها، خاصة تلك التي تتسم بعدم الاستقرار أو العلاقات السامة، ما يدفعهم للتساؤل عن السبب. وغالبا ما يفسر هذا التكرار على أنه فشل شخصي أو سوء في الاختيار، في حين تشير الدراسات النفسية إلى أن المسألة أعمق من ذلك وترتبط بطريقة عمل الجهاز العصبي.
يميل الجهاز العصبي إلى ما هو مألوف، حتى وإن كان مؤلما. فالعلاقات التي تشبه تجارب سابقة، خصوصا تلك المرتبطة بالتوتر أو الإهمال، قد تشعر الشخص بالأمان الزائف لمجرد أنها معروفة. في المقابل، قد يبدو الاستقرار العاطفي غريبا أو مقلقا لأنه غير معتاد.
توضح الأبحاث حول الارتباط الصدمي أن بعض الأشخاص يطورون روابط قوية مع شركاء يؤذونهم، بسبب اختلاط الألم بالراحة في العلاقة نفسها. هذا التداخل يجعل الدماغ يخلط بين الحب وعدم الاستقرار، فيبدأ في تفسير الهدوء على أنه ملل، والأمان على أنه غياب للمشاعر.
يلعب التكييف العصبي دورا مهما في هذا السياق، إذ يعتاد الجسد على إيقاعات عاطفية معينة قائمة على الترقب والتقلب. ومع مرور الوقت، يصبح هذا النمط هو المرجع الطبيعي للعلاقة، حتى بعد إدراك الشخص أنه غير صحي، لأن الجهاز العصبي يتشكل بالتكرار لا بالمنطق.
كما أن النشأة في بيئة عاطفية غير متوقعة تعزز فرط اليقظة والحذر الدائم، ما يدفع الشخص لاحقا للانجذاب إلى علاقات تعيد إنتاج هذا الاضطراب. وفهم هذه الآليات النفسية يساعد على كسر الدائرة وبناء علاقات أكثر توازنا، تقوم على الأمان الحقيقي لا الألفة المؤلمة.
في النهاية، لا يعني الانجذاب المتكرر إلى العلاقات السامة ضعفا في الشخصية أو خللا في الوعي، بل يعكس في كثير من الأحيان استجابة عصبية تشكلت عبر تجارب سابقة. فالجهاز العصبي لا يبحث دائما عما هو الأفضل، بل عما هو مألوف وقابل للتنبؤ.
ومن هنا، فإن بناء علاقات صحية لا يبدأ فقط باتخاذ قرارات عقلانية، بل بتعلّم الشعور بالأمان داخل الاستقرار نفسه، وإعادة تدريب النفس على تقبل الهدوء بوصفه علامة صحة لا فراغ.