لنحتفِ بحدثٍ نضرب له موعدًا سنويًا، لنعيش ذكراه ونستلهم الأجواء التي سبقته وصنعت ذلك الحدث، فيصبح مناسبة ننتظر عامًا كاملًا لنحتفل بها مرة أخرى.
ينطبق ذلك على جميع المناسبات ،فقد حدثت في لحظةٍ معيّنة، وفي يومٍ محدد، وفي سنةٍ مسجَّلة في ذاكرة الحياة، حتى وإن كنّا نجهلها.
فالمؤكد أن لكل حدثٍ إحداثياتٍ مكانيةً وزمانيةً محددة، إلا الحب؛ نظلمه تمامًا حين نجعل له عيدًا في الرابع عشر من فبراير فقط. يبدو احتفالنا به كمن يحاول سكب ماء المحيط كلّه في كأس.
فالحب موجود قبل ذلك التاريخ، وقبل مولد فالنتاين نفسه بملايين السنين. إنه كلمة الافتتاح عند بدء الخليقة، وقبل أن يخطو الإنسان أولى خطواته على الأرض، وحتى قبل أن يعرف القراءة، كانت الكلمة مكتوبة على جدار الكرة الأرضية، وفي قلب كل حبّة مطر، وفي صدر المدونات المنقوشة على أوراق الشجر.
قبل ظهور الإنسان، كانت الأرض — وما تزال — تدور حول الشمس في مدار ثابت، مشدودةً برباط الحب الذي لا يسمح لها بمغادرة مدارها ،فلا تستطيع الأرض الابتعاد عن الشمس بقدره الله.
أليست هذه الجاذبية الهائلة حبًا؟ أليست رباط عاطفةٍ لم تستطع ملايين السنين أن تنال من قوته؟
ألم يكن القمر، رمز الرومانسية وخليل المحبين، موجودًا حتى قبل أن نوجد نحن؟ فالمحب يسعده انتظار حبيبه عند الباب قبل وصوله احتفاءً به، فماذا يكون القمر الذي انتظرنا ملايين السنين قبل أن نوجد؟ كان خلالها يجرب أضواءه الرائعة لتكون جاهزة عندما نصل إلى مرحلة نفهم فيها معنى رسائله الضوئية الفضية الحالمة، فنسعد بها ومعها، وننسج من خيوط أشعته المخملية رسائل حب بلون الضوء ونقائه إلى أحبّائنا.
وقبل أن يكون لدينا عود أو قيثار، كانت الطيور تحفظ المقامات الموسيقية وتصدح بأعذب أغاني الغزل على أعتاب أعشاشها المجدولة من أعواد النسيم فوق الغصون المتمايلة طربًا. وقبل أن يمسك الإنسان بفرشاة، كانت لوحات الجمال الفاتن مرسومة على أجنحة الفراشات، رسائل حب طائرة وتهاني رقيقة منشورة على صفحات الهواء. إنه الحب، ذلك السر القديم الساري في أرجاء الكون كله ،وقع خطواته هو دبيب الحياة ذاتها. لا تخلو منه بقعة على الأرض، حتى في مجتمع الضواري والجوارح؛ فهو هناك يحفظ نظام التواصل بين الأفراد، حتى في تلك المجتمعات الوحشية في أعماق الغابات.
أما نحن البشر، فهل نحتفل بعيد الحب وفاءً لهذا المعنى الرائع؟ أم لنعترف بتقصيرنا في فهمه، إلى درجة أننا نتذكره يومًا واحدًا في العام، بينما تنهمر علينا هداياه على مدار الثواني منذ بدء الخليقة وإلى الأبد؟
هل تكفي وردة حمراء واحدة نقدمها لشريك الحياة لتكون احتفالًا بأسمى المشاعر الإنسانية؟
فليست الورود إلا رمزًا مبسطًا للحب، لكنها ليست مرادفًا لمعناه ،فالخير هو المرادف الأصدق، الخير الذي نتمنى أن يملأ قلوبنا ويفيض على شركائنا في الحياة، لتجري به الأنهار تحت كل باب.
كل لحظة حب وأنتم بخير .