في واحدة من أجمل المصادفات التي خلدها التاريخ الفني العربي، وُلدت أغنية “ست الحبايب” في لحظة صادقة وعفوية، ليلة عيد الأم سنة 1958، لتتحول لاحقا إلى أيقونة خالدة في وجدان الملايين.
في تلك الليلة، توجه الشاعر الغنائي حسين السيد إلى منزل والدته ليشاركها فرحة المناسبة، حاملا في قلبه مشاعر حب كبيرة، لكنه أدرك فجأة أنه لم يجلب هدية تليق بها. أمام هذا الموقف، لم يجد سوى كلماته ملاذا، فأخرج ورقة وقلما وبدأ يكتب بعفوية قصيدة نابضة بالحنان، مستحضرافي كل جملة صورة الأم التي أحبها، والتي كان يناديها دائماً بـ“ست الحبايب”.
في دقائق معدودة، اكتمل النص، وكان مليئا بالصدق والبساطة التي تصل مباشرة إلى القلب. لم يتردد الشاعر في التفكير بتحويل هذه الكلمات إلى أغنية، لتكون هدية لكل أم، وليس فقط لوالدته. وهنا بدأت الرحلة الفنية للعمل.
توجه حسين السيد إلى صديقه الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي ما إن قرأ الكلمات حتى تحمس للفكرة بشكل كبير. ويُروى أنه لم يحتج سوى وقت قصير جداً لوضع لحن عذب يليق بروح النص، لحن لا يزال حتى اليوم واحداً من أكثر الألحان تأثيراً في الأغنية العربية.
بعد ذلك، كان لا بد من صوت قادر على حمل هذا الإحساس، فوقع الاختيار على المطربة فايزة أحمد، التي عُرفت بقدرتها على أداء الأغاني العاطفية بإحساس عالٍ. حضرت فايزة على الفور وبدأت البروفات، واستمرت حتى ساعات الفجر الأولى، في سباق مع الزمن لتكون الأغنية جاهزة في صباح عيد الأم.
لكن المفاجأة التي تضيف سحراً إضافياً للقصة، أن عبد الوهاب، من شدة إعجابه بالعمل، قام بأدائه بصوته على العود، وأرسل التسجيل إلى الإذاعة، التي سارعت بدورها إلى بثه في صباح اليوم نفسه، لتصل الأغنية إلى الجمهور في توقيت مثالي.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد “ست الحبايب” مجرد أغنية، بل أصبحت طقساً سنوياً يرافق الاحتفال بعيد الأم، ورمزاً فنياً خالداً يختصر في كلماته ولحنه أسمى معاني الحب والوفاء.