تعيش جمعية “ماما سلطانة للأطفال المتخلى عنهم” بعيدا عن الأضواء و ببرشيد على وقع حكايات مؤلمة تبدأ غالبا من الشارع أو من أبواب المستشفيات. وتنتهي بمحاولات متواصلة لإنقاذ أطفال وجدوا أنفسهم منذ لحظاتهم الأولى بلا سند عائلي. خلال زيارة قامت بها مجلتنا إلى الجمعية، استعرضت رئيستها سلطانة جمال جانبا من هذه التجربة الإنسانية. بما تحمله من ألم يومي، وتحديات معقدة، وأمل في منح هؤلاء الأطفال فرصة جديدة للحياة.
بداية الطريق.. من الملاحظة إلى الانخراط
تقول سلطانة جمال إن علاقتها بهذا المجال بدأت بشكل تدريجي، من خلال احتكاكها بأطفال في إطار العمل التنشيطي. قبل أن تكتشف حجم الهشاشة التي يعيشها عدد من الأطفال المتخلى عنهم، وحاجتهم إلى رعاية خاصة ومستمرة. ومع مرور الوقت، تحولت تلك الملاحظة الأولى إلى انخراط فعلي في مواكبة هذه الفئة، ثم إلى عمل جمعوي منظم.
حالات قاسية وواقع صادم
وبحسب ما روته رئيسة الجمعية، فإن بعض الأطفال يتم العثور عليهم في ظروف صعبة جدا، سواء في الشارع أو في أماكن مهملة. فيما تكون بعض الحالات في أوضاع صحية حرجة لحظة العثور عليها. وأشارت إلى أن هذه المشاهد المؤلمة تكشف جانبا قاسيا من واقع التخلي عن الرضع، وتترك في الوقت نفسه أثرا نفسيا كبيرا لدى كل من يقترب من هذا الملف.
طفلة من سطات.. واحدة من القصص التي لا تنسى
ومن بين الحالات التي توقفت عندها سلطانة جمال، قصة طفلة جرى العثور عليها سنة 2011 بمدينة سطات. وقالت إنها تابعت وضعيتها وبذلت مجهودا كبيرا من أجل التكفل بها ومواكبة مسارها القانوني والاجتماعي. وأوضحت أن الطفلة، رغم وضعيتها الصحية الخاصة، تتابع اليوم دراستها بشكل عادي، وهو ما تعتبره مثالا على أهمية الرعاية والاستمرارية في المواكبة.
تأسيس الجمعية.. خطوة نحو التأطير
وأوضحت المتحدثة أن الصعوبات المرتبطة بهذا المجال، وتعقد عدد من الحالات، دفعاها إلى تأسيس جمعية تشتغل في إطار قانوني ومنظم. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الجمعية تواكب ملفات الأطفال المتخلى عنهم، كما تتعامل مع حالات مرتبطة بأمهات في أوضاع اجتماعية صعبة، بتنسيق مع جهات مختلفة، خاصة حين يتعلق الأمر بالولادة أو بالإجراءات الأولى للتكفل بالرضع.
ضغوط نفسية ونظرة مجتمعية قاسية
في المقابل، لم تخف سلطانة جمال أن هذا المسار لم يكن سهلا . إذ تحدثت عن ضغوط نفسية وانتقادات وتنمر تعرضت له بسبب اشتغالها في هذا المجال. وأشارت إلى أن بعض المواقف المجتمعية القاسية لا تزال تنظر إلى هؤلاء الأطفال باعتبارهم عبئا أو نتيجة خطأ يجب إخفاؤه، بدل النظر إليهم كأطفال يحتاجون إلى الحماية والرعاية.
أطفال في حاجة إلى الحماية لا إلى الأحكام
وتؤكد تجربة جمعية “ماما سلطانة” ببرشيد أن الأطفال المتخلى عنهم ليسوا مجرد أرقام أو حالات عابرة، بل قصص إنسانية تستدعي تعاملا أكثر وعيا ومسؤولية. وبين قسوة البداية وجهود الاحتضان، تظل هذه المبادرة واحدة من النماذج التي تضع قضية الأطفال المتخلى عنهم في صلب النقاش الإنساني والاجتماعي، بعيدا عن الأحكام الجاهزة.