يعد محمد الغاوي واحدا من الأصوات التي تركت أثرا خاصا في تاريخ الأغنية المغربية العصرية، بصوت دافئ وحضور فني ارتبط في ذاكرة الجمهور بأغانٍ أصبحت جزءا من الوجدان الجماعي، وعلى رأسها الأغنية الشهيرة “الغربة والعشق الكادي”.
بدأت علاقة الغاوي بالموسيقى في سن مبكرة جدا، حين التحق وهو في السابعة من عمره بفرقة “الجيل الصاعد”، قبل أن يجد نفسه لاحقا ضمن برنامج مواهب الذي كان يشرف عليه الفنان الراحل عبد النبي الجيراري.
ورغم شغفه الكبير بالموسيقى، اختار الغاوي في البداية طريق التعليم، حيث اشتغل مدرسا في التعليم الأولي ثم في السلك الإعدادي. لكن الفن ظل يسكنه، فكان يحيي الحفلات والأعراس، ويغني في مناسبات مختلفة، إلى أن جاءت سنة 1979 التي شكلت منعطفا في مساره. ففي تلك السنة شارك في مسابقة أضواء المدينة التي نظمها المنتج الراحل حميد العلوي، وتمكن خلالها من الفوز بجائزة أفضل صوت رجالي بعد أدائه لأغنية “مضناك جفاه” لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب.
هذا التتويج فتح أمامه أبواب الإذاعة الوطنية، حيث سجل أولى أعماله الغنائية بمصاحبة الجوق الوطني. وكانت النتيجة أغنية ستغير مسار حياته الفنية بالكامل، وهي “الغربة” التي كتب كلماتها الزجال الراحل علي الحداني ولحنها الفنان الراحل محمد بلخياط سنة 1983. هذه الأغنية لم تكن مجرد عمل غنائي عابر، بل شكلت نقطة التحول التي جعلت اسم محمد الغاوي يسطع في الساحة الفنية.
للأغنية قصة طريفة رواها الغاوي في مذكراته، إذ إن الملحن محمد بلخياط ظل لفترة يبحث عن صوت قادر على أداء كلمات الحداني القوية. وبينما كان مترددا في البداية، تدخل عبد النبي الجيراري واقترح اسم الشاب محمد الغاوي، الذي كان قد لفت الانتباه خلال مشاركته في “أضواء المدينة”. وبعد الاستماع إلى صوته وهو يؤدي مقطع “الغربة والعشق الكادي”، اقتنع بلخياط بأن الصوت الذي يبحث عنه قد وجده أخيرا.
ورغم أن الغاوي قدم بعد ذلك عشرات الأغنيات، فإن “الغربة” ظلت العمل الأكثر حضورا في مسيرته الفنية، إذ ارتبطت باسمه في الحفلات والسهرات داخل المغرب وخارجه، وبقيت الأغنية التي يطلبها الجمهور في كل ظهور له.
على امتداد مسيرته، راكم الفنان المغربي أكثر من 80 عملا غنائيا تنوعت بين الأغاني العاطفية والوطنية. ومن بين أبرز هذه الأعمال أغنية “نحرثوا البلاد” التي قدمها سنة 1991، إلى جانب “بالفرحة لقاني”، و“سامعني”، و“يا قائد البلاد”، و“حلاوة العشرة”. وقد جاء إنتاجه الفني في مرحلة كانت فيها الأغنية المغربية تعيش ازدهارا كبيرا.
ورحل محمد الغاوي السبت 4 فبراير 2023 بالمستشفى العسكري بالرباط، حيث كان يرقد جراء إصابته بنزيف داخلي على مستوى المخ.