يواصل الفنان الشعبي سعيد الرحالي رحلته الفنية بعناد المؤمن بصوته وبمشروعه في زاوية هادئة من إيطاليا . ابن حي محمدي، وأحد أبناء جيل الثمانينيات الذي صنع اسمه بالمجهود لا بالوساطة، يعود اليوم بوعدٍ جديد لجمهور طال انتظاره.
من الدار البيضاء إلى روما.. مسيرة لم تتوقف
لم يكن الطريق مفروشاً بالورود. بدأ الرحالي مسيرته المهنية في المغرب منذ مطلع التسعينيات، غير أن أول تسجيل رسمي له لم يخرج إلى النور إلا عام 2008. سبع سنوات من السهرات والتعب والبحث عن موطئ قدم في مشهد فني تنافسي، قبل أن تفتح أمامه أبواب المهجر عام 2015.
استقر في إيطاليا، فوجد فيها جمهوراً مغربياً متعطشاً للطرب الشعبي الأصيل، جمهوراً يحمل في أعماقه اشتياقاً لا يطفئه إلا صوت يشبه البيت والذاكرة. لكن ما وجده من دفء الجمهور، لم يجده في الوسط الفني المحيط به.
معادلة المهجر الصعبة
يصف الرحالي بصراحة غير مألوفة التحدي الأكبر الذي يواجهه كل فنان مغربي في الخارج: غياب البنية التحتية الفنية. فبينما يجد الفنان في المغرب أوركسترا متكاملة، وكتّاباً للكلمة، ومنابر إعلامية تطلق الأسماء وتصنع النجوم، يجد نفسه في إيطاليا أمام فرقة محدودة لا ترقى دائماً إلى مستوى طموحه الصوتي.
“كنعوّل غير على الصوت ديالي وعلى الحضور ديالي”
هذه الجملة ليست اعترافاً بالضعف، بل هي شهادة رجل يعرف قيمة ما يملك، ويأبى أن يُهدره في تعاون لا يليق به.
انتقائية الفنان.. حين تصبح الشراكة فناً
حين سئل عن الفنانين الذين يتمنى التعاون معهم، لم يلقِ بأسماء عشوائية. تحدث الرحالي بمنطق الموسيقي العارف بأسرار اللحن، إذ يرى أن الثنائي الناجح ليس مجرد جمع صوتين، بل هو توافق في المقامات الموسيقية وتناسق في الكفاءة. ذكر أسماء كـالداودي والرحماني وحجيب لا كقائمة أمنيات، بل كأمثلة على من يفهم لغته الفنية ويكمل رؤيته.
وينبّه إلى خطأ يقع فيه كثير من الفنانين: أن يدخل الواحد في تعاون مع صوت لا يرتفع بصوته، فيضيع المجهود في شراكة لا تشرّف أحد الطرفين.
الجديد.. حيث يلتقي الشعبي بالذكاء الاصطناعي
أما عن مشاريعه القادمة، فيكشف الرحالي عن رؤية لافتة تجمع بين جذور الطرب الشعبي وأدوات العصر. خمس أغانٍ جاهزة كلماتٍ وألحاناً، يعمل على تقديمها في قالب بصري حديث يوظّف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الكليب، على غرار أفتتاحيات المسلسلات الكبرى. ولأنه يعيش بين المغرب وإيطاليا بروحه إن لم يكن بجسده، ستجمع هذه الأعمال بين جماليات السياحة المغربية والروح الإيطالية التي شكّلت سنواته الأخيرة.
رسالة إلى الجمهور.. من قلب غائب حاضر
يختم الرحالي حواره بكلمات تحمل ثقل السنوات ودفء المحبة معاً، معتذراً لجمهوره عن غياب وصفه بـ”الخارج عن طاقته”، واعداً بعودة قوية تشمل التلفزيون والإعلام والتسجيل. ويذكّر بشعاره الذي رافقه منذ البداية، ذلك الشعار الذي وصله به الجمهور المغربي إلى دول أوروبا:
“بحبكم استمر”
ثلاث كلمات تختصر مسيرة رجل لم يغادر قلوب جمهوره يوماً، حتى حين غادرت قدماه الوطن.